تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
فريق نزل الوجوب على العلم الذي هو بصدده ، فقال المتكلمون : هو علم الكلام ، إذ به يدرك التوحيد ويعلم به ذات اللّه سبحانه وصفاته ، وقال الفقهاء : هو علم الفقه إذ به تعرف العبادات والحلال والحرام وما يحرم من المعاملات وما يحل ، وعنوا به ما يحتاج إليه الآحاد دون الوقائع النادرة ، وقال المفسرون والمحدثون : هو علم الكتاب والسنّة ،
شرح
عبد البر في بيان العلم : للفظ العلم إطلاقات متباينة ، ويترتب على ذلك اختلاف الحد والحكم كلفظ العالم والعلماء ، ومن هنا اختلفوا في فهم هذا الحديث وتجاذبوا معناه اه . ( ولا نطوّل الكلام بنقل التفصيل في ذلك ولكن حاصله ) ومجمله : ( أن كل فريق نزل الوجوب على العلم الذي هو بصدده ) وفي تحصيله ، ( فقال المتكلمون : هو علم الكلام إذ به يدرك التوحيد ويعلم ذات اللّه سبحانه وصفاته ) ، وعزاه صاحب القوت إلى بعض السلف ونصه ؛ وقال بعض السلف : إنما معناه طلب علم ما لا يسع جهله من علم التوحيد وأصول الأمر والنهي ، والفرق بين الحلال والحرام . إذ لا غاية لسائر العلوم بعد ذلك وكلها يقع عليها اسم علم من حيث هي معلومات اه . وإلى هذا أشار البيهقي في المدخل فقال : أراد واللّه أعلم العلم العام الذي لا يسع العاقل البالغ جهله اه . قال صاحب القوت : ثم اختلف القائلون بأنه علم التوحيد في كيفية الطلب وماهية الإضافة ، فمنهم من قال من طريق الاستدلال والاعتبار ، ومنهم من قال من طريق البحث والنظر ، ومنهم من قال من طريق التوقيف والأثر ، وقالت طائفة من هؤلاء : إنما أراد طلب علم الشبهات المشكلات إذا سمعها العبد وابتلي بها ، وقد كان يسعه ترك الطلب إذا كان غافلا عنها على أصل التسليم ومعتقد جميع المسلمين لا يقع في وهمه ولا يحيك في صدره شيء من الشبهات فيسعه ترك البحث ، فإذا وقع في سمعه شيء من ذلك ووقر في قلبه ولم يكن عنده تعليل ذلك وقطعه ومعرفة تميز حقه من باطله لم يحل له أن يسكت عليه ، لئلا يعتقد باطلا أو ينفي حقا ، فافترض عليه طلب علم ذلك من العلماء به ، فيستكشفه حتى يكون على اليقين من أمره فيعتقد من ذلك الحق وينفي الباطل ، ولا يقعد عن الطلب ليكون مقيما على شبهة فيتبع الهوى أو يكون شاكّا في الدين فيعدل عن طريق المؤمنين أو يعتقد بدعة فيخرج بذلك من السنة ، ومذهب الجماعة وهو لا يعلم ، ولهذا المعنى كان الصديق يقول : اللهم أرنا الحق حقا فنتبعه وأرنا الباطل باطلا فنجتنبه ، وهذا مذهب أبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي ، وداود بن علي ، والحسين الكرابيسي ، والحرث بن أسد المحاسبي ومن تبعهم من المتكلمين اه . ( وقال الفقهاء : هو علم الفقه إذ به يعرف العبادات والحلال والحرام وما يحرم من المعاملات وما يحل وعنوا به ) أي أرادوا بذلك ( ما يحتاج إليه الآحاد ) من المسلمين ( دون الوقائع النادرة ) الغريبة ، وهذا القول مشتمل على ثلاثة أقوال من حيث التفصيل ، فأما معرفة
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 200 | مرتضى الزبيدي