والمواصلة وإني لا أصله بصلة أفضل من نصيحة توصله إلى اللّه وتقربه إليه زلفى ، وتحله الفردوس الأعلى ، فالنصيحة هي هدية العلماء وأنه لن يهدي إلى تحفة أكرم من قبوله لها واصغائه بقلب فارغ عن ظلمات الدنيا إليها وإني أحذره إذا ميزت عنده أرباب القلوب أحرار الناس أن يكون إلا في زمرة الكرام الأكياس ، وقد
قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : من أكرم الناس ؟ فقال : « أتقاهم » فقيل : من أكيس الناس ؟ فقال :
« أكثرهم للموت ذكرا وأشدهم استعدادا » .
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه المغفرة وأشد الناس غباوة وجهلا من تهمه أمور دنياه التي تختطف عند الموت ولا يهمه أن يعرف أنه من أهل الجنة أو النار » .
وقد عرفه اللّه تعالى ذلك حيث قال :
( إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ )
[ الانفطار ، الآيتان : 13 ، 14 ] وقال :
( فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى )
[ النازعات : 37 - 39 ] وقال :
( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها )
إلى قوله :
( وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ )
[ هود : 15 ، 16 ] وإني أوصيه أن يصرف إلى هذا المهم همته ، وأن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب ، ويراقب سريرته وعلانيته وقصده وهمته وأفعاله وأقواله واصداره وإيراده أهي مقصورة على ما يقربه من اللّه تعالى ويوصله إلى سعادة الأبد ، أو هي مصروفة إلى ما يعمر دنياه ويصلحها له إصلاحا منغصا مشوبا بالكدورات مشحونا بالهموم والغموم ، ثم يختمها بالشقاوة والعياذ باللّه ، فليفتح عين بصيرته ، ولتنظر نفس ما قدمت لغد وليعلم أنه لا مشفق ولا ناظر لنفسه سواه وليتدبر ما هو بصدده ، فإن كان مشغولا بعمارة ضيعة فلينظركم من قرية أهلكها اللّه وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها بعد عمالها ، وإن كان مقبلا على استخراج ماء أو عمارة نهر فليفكر كم من بئر معطلة بعد عمارها ، وإن كان مهتمّا بتأسيس بناء فليتأمل كم من قصور مشيدة البنيان محكمة القواعد والأركان أظلمت بعد سكانها ، وإن كان معتنيا بعمارة الحدائق والبساتين فليعتبركم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم الآية . وليقرأ قوله تعالى :
( أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ * ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ )
[ الشعراء : 205 - 207 ] وإن كان مشغوفا والعياذ باللّه بخدمة سلطان فليذكر ما
ورد في الخبر أنه ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأعوانهم ، فلا يبقى أحد منهم مدّ لهم دواة أو بري لهم قلما ، فما فوق ذلك إلا أحضروا فيجمعون في تابوت من نار فيلقون في جهنم .
وعلى الجملة ؛ فالناس كلهم إلا من عصم اللّه نسوا اللّه فنسيهم فأعرضوا عن التزوّد للآخرة وأقبلوا على طلب أمرين الجاه والمال ، فإن كان هو في طلب جاه ورئاسة فليتذكر ما ورد به الخبر أن الأمراء والرؤساء يحشرون يوم القيامة في صور الذر تحت أقدام الناس يطؤنهم بأقدامهم وليقرأ ما قال تعالى في كل متكبر جبار . وقد
قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « يكتب الرجل جبارا وما يملك إلا أهل بيته »
أي إذا طلب الرئاسة بينهم وتكبر عليهم ، وقد
قال عليه السلام : « ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر فسادا من حب الشرف في دين الرجل المسلم »
وإن كان في طلب المال وجمعه فليتأمل
قول عيسى عليه السلام : يا معشر