تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
الحواريين مسرة في الدنيا مضرة في الآخرة بحق أقول : لا تدخل الأغنياء ملكوت السماء ، وقد قال نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم : يحشر الأغنياء أربع فرق رجل جمع مالا من حرام وأنفقه في حرام فيقال اذهبوا به إلى النار ، ورجل جمع مالا من حرام وأنفقه في حلال فيقال اذهبوا به إلى النار ، ورجل جمع مالا من حلال وأنفقه في حرام فيقال اذهبوا به إلى النار ، ورجل جمع مالا من حلال وأنفقه في حلال فيقال قفوا هذا وسلوه لعله ضيع بسبب غناه فيما فرضناه عليه ، أو قصّر في الصلاة أو في وضوئها أو في ركوعها أو سجودها أو خشوعها أو ضيع شيئا من فرض الزكاة والحج ، فيقول الرجل جمعت المال من حلال وأنفقته في حلال وما ضيعت شيئا من حدود الفرائض ، بل أتيت بتمامها فيقال : لعلك باهيت بمالك واختلت في شيء من ثيابك فيقول يا رب ما باهيت بمالي ولا اختلت في ثيابي فيقال لعلك فرطت فيما أمرناك من صلة الرحم وحق الجيران والمساكين ، وقصرت في التقديم والتأخير والتفضيل والتعديل ويحيط به هؤلاء فيقولون ربنا أغنيته بين أظهرنا وأحوجتنا إليه فقصر في حقنا ، فإن ظهر تقصير ذهب به إلى النار وإلّا قيل له : قف هات الآن شكر كل نعمة وكل شربة وكل أكلة وكل لذة فلا يزال يسئل ويسئل . فهذه حال الأغنياء الصالحين المصلحين القائمين بحقوق اللّه أن يطول وقوفهم في العرصات فكيف حال المفرطين المنهمكين في الحرام والشبهات ، المكاثرين به المتبعين لشهواتهم الذين قيل لهم :
( أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ )
[ التكاثر : 1 ، 2 ] فهذه المطالب الفاسدة هي التي استولت على قلوب الخلق تسخرها للشيطان وتجعلها ضحكة له ، فعليه وعلى كل مستمر في عداوة نفسه أن يتعلم علاج هذا المرض الذي حل بالقلوب ، فعلاج مرض القلوب أهم من علاج مرض الأبدان ، ولا ينجو إلا من أتى اللّه بقلب سليم ، وله دواءان : أحدهما : ملازمة ذكر الموت وطول التأمل فيه مع الاعتبار بخاتمة الملوك وأرباب الدنيا كيف جمعوا كثيرا وبنوا قصورا وفرحوا بالدنيا بطرا وغرورا ، فصارت قصورهم قبورا وأصبح جمعهم هباء منثورا . وكان أمر اللّه قدرا مقدورا أو لم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون ، فقصورهم وأملاكهم ومساكنهم صوامت ناطقة تشهد بلسان حالها على غرور عمالها ، فانظر الآن في جميعهم هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ذكرا . الداواء الثاني : تدبر كتاب اللّه تعالى ف فيه شفاء ورحمة للعالمين ، وقد أوصى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بملازمة هذين الواعظين فقال : تركت فيكم واعظين صامتا وناطقا . الصامت الموت والناطق القرآن ، وقد أصبح أكثر الناس أمواتا عن كتاب اللّه تعالى وإن كانوا أحياء في معايشهم ، وبكما عن كتاب اللّه وإن كانوا يتلونه بألسنتهم ، وصما عن سماعه وإن كانوا يسمعونه بآذانهم ، وعميا عن عجائبه وإن كانوا ينظرون إليه في مصاحفهم ، وأميين في أسراره ومعانيه وإن كانوا يشرحونه في تفاسيرهم ، فاحذر أن تكون منهم وتدبر أمرك وأمر من لم يتدبر كيف ندم وتحسر ، وانظر في أمرك وأمر من لم ينظر في أمر نفسه كيف خاب عند الموت وخسر واتعظ بآية واحدة في كتاب اللّه ففيه مقنع وبلاغ لكل ذي بصيرة . قال اللّه تعالى :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا )