تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
( تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ )
[ المنافقون : 9 ] إلى آخرها . وإياك ثم إياك أن تشتغل بجمع المال فإن فرحك به ينسيك أمر الآخرة وينزع حلاوة الإيمان من قلبك . قال عيسى عليه السلام : لا تنظروا إلى أموال أهل الدنيا فإن بريق أموالهم يذهب بحلاوة إيمانكم وهذه ثمرة مجرد النظر ، فكيف عاقبة الجمع والطغيان والبطر ؟ وأما القاضي الجليل الإمام مروان أكثر اللّه في أهل العلم أمثاله فهو قرة العين ، وقد جمع بين الفضيلتين العلم والتقوى ، ولكن الاستتمام بالدوام ولا يتم الدوام إلا بمساعدة من جهة ومعاونة له عليه بما يزيد في رغبته ، ومن أنعم اللّه عليه بمثل هذا الولد النجيب فينبغي أن يتخذه ذخرا للآخرة ووسيلة إلى اللّه تعالى ، وأن يسعى في فراغ قلبه لعبادة اللّه تعالى ، ولا يقطع عليه الطريق إلى اللّه تعالى ، وأول الطريق إلى اللّه تعالى طلب الحلال والقناعة بقدر القوت من المال وسلوك سبيل التواضع والنزوع من رعونات أهل الدنيا التي هي مصائد الشيطان هذا مع الهرب من مخالطة الأمراء والسلاطين ، ف في الخبر أن الفقهاء أمناء اللّه ما لم يدخلوا في الدنيا فإذا دخلوا فيها فاتهموهم على دينكم ، وهذه أمور قد هداه اللّه إليها ويسرها عليه ، فينبغي أن يمده ببركة الرضا ويمده بالدعاء فدعاء الوالد أعظم ذخرا وعدة في الآخرة الأولى ، وينبغي أن يقتدي به فيما يأمره من النزوع عن الدنيا ، والولد وإن كان فرعا فربما صار بمزيد العلم أصلا ، ولذلك قال إبراهيم عليه السلام :
( يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ )
[ مريم : 43 ] الآية . وليجتهد أن يجبر تقصيره في القيامة بتوقيره ولده الذي هو فلذة كبده ، فأعظم حسرة أهل النار في القيامة فقدهم في القيامة حميما يشفع لهم . قال اللّه تعالى :
( فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ )
[ الحاقة : 35 ] أسأل اللّه أن يصغر في عينه الدنيا التي هي صغيرة عند اللّه ، وأن يعظم في عينه الذي هو عظيم عنده ، وأن يوفقنا وإياه لمرضاته ويحله الفردوس الأعلى من جناته بمنه وفضله وكرمه .

الفصل العاشر في ذكر شيء من فتاويه غير ما تضمنته فتاويه المشهورة :

سئل ما قوله فيمن يغتاب كافرا أيأثم بذلك أم لا ؟ وهل يفترق الحال بين الذمي والحربي ، وفيمن يغتاب مبتدعا بغير بدعته أيحرم أم لا ؟ الجواب وباللّه التوفيق : الغيبة المنهي عنها هي أن يذكر المغتاب بما يكرهه إذا سمعه ، وإن كان صادقا وهو في حق المسلم محذور لثلاث علل . إحداها : ما فيه من الإيذاء إن سمعه أو يضيق بسببه إن لم يسمعه ، والثانية : إن فيه تنقص ما هو فعل اللّه تعالى فإن اللّه عز وجل هو خالق الخلق وهو خالق صفاتهم وأفعالهم وأخلاقهم حتى ينهي بسبب هذا عن مذمة الأطعمة الرديئة وتنقصها . والثالثة : إنه يضيع الوقت بما لا يعني وهو جار في النطق بما ليس فيه غرض صحيح ، والعلة الأولى تقتضي التحريم فإن إيذاء المسلم حرام ، والثانية تقتضي الكراهة وهو يطرد في الأطعمة والحيوانات ، والثالثة يقال أن تركه أولى وهو رتبة دون الكراهة فهم ذلك من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » فإذا فهم هذا في المسلم فالكافر إن كان حربيا .