والثانية : الخلفاء والملوك والسلاطين وحكمهم على الخاصة والعامة جميعا ولكن على ظاهرهم لا على باطنهم .
والثالثة : العلماء باللّه عز وجل وبدينه الذين هم ورثة الأنبياء ، وحكمهم على باطن الخاصة فقط ، ولا يرتفع فهم العامة على الاستفادة منهم ولا تنتهي قوتهم إلى التصرف في ظواهرهم بالالزام والمنع والشرع .
والرابعة : الوعاظ وحكمهم على بواطن العوام فقط ؛ فأشرف هذه الصناعات
شرح
( والثانية ) : سياسة ولاة الأمور ( الخلفاء ) ممن استكملت فيه شروط الإمامة من قريش ، كالخلفاء الأربعة ومن بعدهم من بني أمية ، وبني العباس ( والملوك ) هم نواب الخلفاء كآل سلجوق بالروم ، وآل رسول باليمن ( والسلاطين ) هم الذين يملكون البلاد بقهر وسطوة وغلبة ، وهم بهذا الترتيب . وقد فرق ابن السبكي في الطبقات بين الملك والسلطان فقال : السلطان يطلق على من ملك العراقين ، والملك من ملك دون ذلك أو نحو هذا ( وحكمهم على الخاصة والعامة جميعا ، لكن على ظاهرهم لا على باطنهم ) ، ولو قال : على ظاهر الخاصة والعامة لا باطنهم كان أخصر .
( والثالثة ) : سياسة ( العلماء باللّه وبدينه ) وهم الحكماء ( الذين هم ورثة الأنبياء ) ورثوا عنهم العلم والحكمة وهم الجامعون بين الحقيقة والشريعة ( وحكمهم على باطن الخاصة فقط ولا يرتفع فهم العامة إلى الاستفادة منهم ) لعدم المناسبة بينهما ، لأن ما بين الحكيم والعامي من تنافي طبعهما وتنافر شكلهما من التفاوت قريب لما بين الماء والنار والليل والنهار ، وقد قيل لسلمة بن كهيل : ما لعلي رضي اللّه عنه وفقه العامة ، وله في كل خبر ضرس قاطع ؟ فقال : لأن ضوء علومهم قصر عن نوره والناس إلى اشكالهم أميل . ( ولا تنتهي قوتهم إلى التصرف في ظواهرهم بالإلزام والمنع ) والدفع والرفع .
( الرابعة ) : سياسة الفقهاء ( والوعاظ وحكمهم على بواطن العوام فقط ) ، وليست لهم قوة إلى التصرف في ظواهرهم وصلاح العالم ونظامه بمراعاة هذه السياسات لتخدم العامة الخاصة وتسوس الخاصة العامة ، ثم إن السياسة في حد ذاتها على قسمين : سياسة الانسان نفسه وبدنه وما يختص به ، والثانية سياسته غيره من ذويه وبلده ، ولا يصلح لسياسة غيره من لا يصلح لسياسة نفسه لأن السائس يجري على المسوس مجرى ذي الظل من الظل ، ومن المحال أن يستقيم الظل وذو الظل أعوج ، ويستحيل أن يهتدي المسوس مع كون السائس ضالا ، والناس ضربان ، خاص وعام ، فالخاص من يتخصص من البلد بما ينخرم بافتقاده إحدى السياستين البدنية ، والعام من لا ينخرم بافتقاده شيء منها . وهذا إذا اعتبرنا أمور الدنيا ، وهم من وجه آخر ثلاثة . خاصة وعامة وأوساطهم المسمون في كلام العرب بالسوقة ، فالخاص هو الذي يسوس ولا يساس ، والعام الذي يساس ولا يسوس ، والوسط الذي يسوسه من فوقه وهو يسوس من دونه ، ( وأشرف هذه