تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
الآخرة وهي الآلة الموصلة إلى اللّه عز وجل لمن اتخذها آلة ومنزلا لا لمن يتخذها مستقرا ووطنا ، وليس ينتظم أمر الدنيا إلا بأعمال الآدميين . وأعمالهم وحرفهم وصناعاتهم تنحصر في ثلاثة أقسام : أحدها : أصول لا قوام للعالم دونها ، وهي أربعة : الزراعة ، وهي للمطعم . والحياكة ، وهي للملبس ، والبناء ، وهو للمسكن ، والسياسة ، وهي للتأليف والاجتماع والتعاون على أسباب المعيشة وضبطها . الثاني : ما هي مهيئة لكل واحدة من هذه الصناعات وخادمة لها : كالحدادة ، فإنها تخدم الزراعة وجملة من الصناعات باعداد آلاتها كالحلاجة والغزل فإنها تخدم الحياكة باعداد عملها .
شرح
الغزالي له في الاحياء ، وفي الفردوس بلا سند عن ابن عمر مرفوعا . « الدنيا قنطرة الآخرة فاعبروها ولا تعمروها » . ( وهي الآلة الموصلة إلى اللّه تعالى لمن اتخذها آلة ) يتوصل بها فلا يتناول منها إلا بقدر الحاجة الضرورية له ( و ) اتخذها ( منزلا ) ينزل فيه ثم يسافر ( ولم يتخذها مستقرا ووطنا ) يطمئن إليه بكليته فكل ما فيها من الأموال والأولاد والزينة عوار كما قال الشاعر :وما المال والأهلون إلا ودائع * ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع( وليس ينتظم أمر الدنيا إلا بأعمال الآدميين وأعمالهم وحرفهم وصناعتهم ) الحرف جمع حرفة ، وهي الاكتساب اسم من احترف لعياله ، والصناعة بالكسر اسم من صنعه صنعا ( تنحصر في ثلاثة أقسام ) . أحدها : أصول لا قوام للعالم دونها وهي أربعة . أولها : ( الزراعة ) أي الحراثة ( وهي للمطعم ) بالنظر إلى المآل ( والحياكة ) أي النساجة ( وهي للملبس ) تستر به العورة ، ( والبناء ) أي بناء البيوت والمنازل ( وهي للمسكن ) يأوي إليه ، ( والسياسة ) بالكسر وهي رعاية الأمور ( وهي للتأليف ) بين الناس ( والاجتماع ) في الكلمة ( والتعاون على أسباب المعيشة وضبطها ) بحيث لا يختل نظامها . القسم ( الثاني : ما هي مهيئة ) أي مرشحة ( لكل واحد ، من هذه الصناعات وخادمة لها ، كالحدادة ) بالكسر ( فإنها تخدم الزراعة ) وهي الضرب الأول من القسم الأول ، بل ( وجملة من الصناعات بإعداد آلاتها ) مما تحتاج إليها ويتوقف وجوده على وجودها ( وكالحلاجة ) بالكسر ( والغزل ) أي غزل الكتان والقطن ، ( فإنها تخدم الحياكة بإعداد محلها ) فإن القطن إذا لم يحلج ، والكتان إذا لم يغزل لم ينتفع الحائك بهما .