تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
الأربع بعد النبوّة إفادة العلم وتهذيب نفوس الناس عن الأخلاق المذمومة المهلكة وإرشادهم إلى الأخلاق المحمودة المسعدة وهو المراد بالتعليم ، وإنما قلنا إن هذا أفضل من سائر الحرف والصناعات لأن شرف الصناعة يعرف بثلاثة أمور : إما بالالتفات إلى الغريزة التي بها يتوصل إلى معرفتها كفضل العلوم العقيلة على اللغوية ؛ إذ تدرك الحكمة بالعقل ، واللغة بالسمع ، والعقل أشرف من السمع ، وإما بالنظر إلى عموم النفع كفضل الزراعة على الصياغة ، وإما بملاحظة المحل الذي فيه التصرف كفضل الصياغة على الدباغة ؛ إذ محل أحدهما الذهب ومحل الآخر جلد الميتة ، وليس يخفى أن العلوم الدينية وهي فقه طريق الآخرة إنما تدرك بكمال العقل وصفاء الذكاء ، والعقل أشرف صفات الإنسان كما سيأتي بيانه ، إذ به تقبل أمانة اللّه ، وبه يتوصل إلى جوار اللّه
شرح
السياسات الأربعة بعد النبوة ) والرسالة وما يليها من الصديقية ( إفادة العلم ) النافع ( وتهذيب نفوس الناس عن الأخلاق المذمومة ) الرديئة ( المهلكة وإرشادهم إلى الأخلاق المحمودة المسعدة ) ، وهو مقام شريف لا يعلوه مقام إلا النبوة والرسالة والصديقية ، وأصحاب هذا المقام هم الجامعون بين علمي الشريعة والحقيقة ، فإن إفادة العلم ترجع إلى العلوم الظاهرة وتهذيب النفوس والإرشاد بعلماء الحقيقة المتصرفين في بواطن مريدهم ، ( وهي المراد بالتعليم ) ، ثم بين ذلك بقوله : ( وإنما قلنا : أن هذا أفضل من سائر الحرف والصناعات ، لأن شرف الصناعات يعرف بثلاثة أمور . إما بالالتفات إلى الغريزة التي بها يتوصل إلى معرفتها ) أي بحسب النسبة إلى القوة المبرزة لها ( كفضل العلوم ) الحكمية ( العقلية على ) العلوم ( اللغوية إذ تدرك الحكمة بالعقل ) . أي : هي متعلقة بالقوة العقلية ( و ) تدرك ( اللغة بالسمع ) أي متعلقة بالقوة الحسية ، ( والعقل أشرف من السمع ، وإما بالنظر إلى عموم النفع كفضل الزراعة على الصياغة ) ، فإن الزراعة نفعها عام بخلاف الصياغة ، ( وإما بملاحظة المحل الذي فيه التصرف ) أي بحسب شرف الموضوع المعمول فيه ( كفضل الصياغة ) وشرفها ( على الدباغة إذ محل أحدهما الذهب ) ولا يخفى شرفه ، ( ومحل الآخر جلد الميتة ) فهي ثلاثة وجوه استبان بها شرف الصناعة واستعمل الالتفات في الوجه الأول ، والنظر في الثاني ، والملاحظة في الثالث تفننا في العبارة ( وليس يخفى ) على العاقل ( أن العلوم الدينية ) وهي الشرعية المعبر عنها بالحكمة ( وهي فقه طريق الآخرة إنما تدرك بكمال العقل وصفاء الذكاء ) وهي القوة المفكرة ( و ) هي أشرف قوة كما أن ( العقل أشرف صفات الانسان ) وأجلها ( كما سيأتي بيانه ) في الباب السابع . ( إذ به تقبل أمانة اللّه تعالى وبه يوصل إلى جوار اللّه تعالى ) وذلك أبلغ نفع ، ( وأما عموم النفع فلا تستريب ) « 1 » أي لا
هامش
( 1 ) ونسخة فلا تستريب بصيغة المتكلم ( فإن نفعه وثمرته سعادة ) .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 195 | مرتضى الزبيدي