سبحانه . وأما عموم النفع فلا يستراب فيه فإن نفعه وثمرته سعادة الآخرة . وأما شرف المحل فكيف يخفى والمعلم متصرف في قلوب البشر ونفوسهم ، وأشرف موجود على الأرض جنس الإنس وأشرف جزء من جواهر الإنسان قلبه ، والمعلم مشتغل بتكميله وتخليته وتطهيره وسياقته إلى القرب من اللّه عز وجل ، فتعليم العلم من وجه : عبادة اللّه تعالى ، ومن وجه خلافة اللّه تعالى ، وهو من أجل خلافة ؛ فإن اللّه تعالى قد فتح على قلب العالم العلم الذي هو أخص صفاته ، فهو كالخازن لأنفس خزائنه ؛ ثم هو مأذون له
شرح
تشك ( فيه سعادة الآخرة ) وهي الأشياء الأربعة المذكورة آنفا وذلك أبلغ كذلك ، ( وأما شرف المحل ) وموضوعه الذي يعمل فيه ( فكيف يخفى والمعلم منصرف في قلوب البشر ونفوسهم ، وأشرف موجود على وجه الأرض جنس الإنس ، وأشرف جزء من جوهر الانسان قلبه ) الصنوبري وهو مهبط ملائكة الرحمة فهو أشرف موضوع ( والمعلم مشتغل بتكميله وتخليته ) كذا بالخاء المعجمة وهو مناسب لقوله ( وتطهيره ) عن الأوصاف الذميمة وفي بعض النسخ بالجيم وهو التصفية ( وسياقته إلى القرب من اللّه تعالى ) بتعليمه إياه بما يكون سببا لذلك ، ( فتعليم العلم من وجه عبادة اللّه تعالى ) لكونه ذكر اللّه تعالى ، ( ومن وجه خلافة اللّه تعالى وهو أجل خلافة ) وهل يجوز أن يقال فلان خليفة اللّه في أرضه أم لا ؟
قولان . واحتج المجيزون بقوله تعالى :( لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً )[ البقرة : 30 ] وبقوله تعالى :( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ )[ الأنعام : 165 ] وبقوله تعالى :( وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ )[ النمل : 62 ] وبقول علي رضي اللّه عنه : أولئك خلفاء اللّه في أرضه ودعاته إلى دينه ، واحتج الآخرون بأن الخليفة إنما يكون ممن يغيب ويخلفه غيره ، واللّه تعالى شاهد غير غائب قريب غير بعيد ، فمحال أن يخلفه غيره ، بل هو سبحانه الذي يخلف عبده المؤمن فيكون خليفته ، قالوا :
ولهذا أنكر الصديق على من قال يا خليفة اللّه ، قال : لست بخليفة اللّه ، ولكن خليفة رسول اللّه وحسبي ذلك ، وأجابوا عن تلك الآيات ، والحق أنه إن أريد بالإضافة إلى اللّه تعالى أنه خليفة عنه ، فالصواب قول الطائفة المانعة منها ، وإن أريد بالإضافة أن اللّه استخلفه عن غيره ممن كان قبله ، فهذا لا يمتنع فيه الإضافة وحقيقتها خليفة اللّه الذي جعله خلفا عن غيره ، وبهذا يخرج الجواب عن قول علي رضي اللّه عنه أولئك خلفاء اللّه في أرضه .
فإن قيل : هذا لا مدح فيه ، لأن هذا الاستخلاف عام في الأمة ، وخلافة اللّه التي ذكرنا في قول علي رضي اللّه عنه خاصة لخواص الخلق .
فالجواب : أن الاختصاص المذكور أفاد اختصاص الإضافة ، فالإضافة هنا للشرف والتخصيص كما في نظائره ، ( فإن اللّه تعالى قد فتح على قلب العالم العلم الذي هو أخص صفاته ) . وهذه مسألة اختلف فيها فالمنقول عن الأشعري أخص أوصاف الباري القدرة ، وقال المعتزلة : أنه القدم ورد بأنه سلبي ، فكيف يكون نفسيا ، فكيف يكون أخص أوصافه ، ومنهم من