تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
والالتحاق بأفق الملائكة ومقارنة الملأ الأعلى ، هذا في الآخرة . وأما في الدنيا فالعز والوقار ونفوذ الحكم على الملوك ولزوم الاحترام في الطباع حتى أن أغبياء الترك وأجلاف العرب يصادفون طباعهم مجبولة على التوقير لشيوخهم لاختصاصهم بمزيد علم مستفاد من التجربة بل البهيمة بطبعها توقر الإنسان لشعورها بتمييز الإنسان بكمال مجاوز لدرجتها ، هذه فضيلة العلم مطلقا ثم تختلف العلوم كما سيأتي بيانه وتتفاوت لا محالة فضائلها بتفاوتها . وأما فضيلة التعليم والتعلم فظاهرة مما ذكرناه ، فإن العلم إذا كان أفضل الأمور كان تعلمه طلبا للأفضل فكان تعليمه إفادة للأفضل ، وبيانه أن مقاصد الخلق مجموعة في الدين والدنيا ولا نظام للدين إلا بنظام الدنيا ، فإن الدنيا مزرعة
شرح
فيشفعون ( ومقارنة الملأ الأعلى ) مع الملائكة حول العرش ( هذا في الآخرة ، وأما في الدنيا فالعز ) والسعادة ( والوقار ) وهو الحلم والرزانة ( ونفوذ الحكم ) أي إجراؤه ( على الملوك ) فضلا عن غيرهم . وقد تقدم أن العلم حاكم وما عداه محكوم عليه ولا يقطع النزاع إلا العلم ، وقد شوهد من أحوال السلف من العلماء العارفين كأبي حازم وسفيان والفضيل ، ومن بعدهم كالعز بن عبد السلام وأضرابه مع ملوك زمانهم ما هو أشهر من أن يذكر ، ( ولزوم الاحترام ) والتعظيم ( في ) أصل ( الطباع ) مركوزا ذلك فيها ( حتى أن أغبياء ) جمع غبي ( الترك ) بالضم قوم معروفون . غباوتهم في أصل جبلتهم لا توصف ( وأجلاف العرب ) الذين لا يشهدون المدن والحضر ، ويتبعون مساقط الغيث وأذناب الأنعام ، كما أن الترك لمجاورتهم الجبال الشواهق وبعدهم عن المدن صاروا أغبياء ، كذلك العرب بذلك صاروا أجلافا لكنهم مع ذلك ( يصادفون طباعهم مجبولة على التوقير ) والتعظيم ( لشيوخهم ) وكبارهم ( لاختصاصهم بمزيد علم مستفاد من التجربة ) ، ولو لم يستفيدوا من الكتب والشيوخ بالتلقين فتراهم يصغون إلى كلامهم ويعملون بما يأمرونهم في القضايا والحوادث ، ( بل البهيمة بطبعها ) مع حيوانيتها ( توقر الإنسان ) وتحتشمه بعض الاحتشام وتنزجر عنه بعض الانزجار ( لشعورها ) وعلمها بتمييز الانسان عن غيره ( بكمال مجاور لدرجتها ) . وهذا الكلام بعينه يأتي للمصنف في باب العقل . والعقل والعلم من واد واحد لإطلاق كل واحد منهما على الآخر مع فرق سيذكر فيما بعد ، وأيضا فإن العلم ثمرة العقل فما جاز على العقل جاز على العلم . ( وهذه فضيلة العلم مطلقا ثم تختلف العلوم ) بانقسامها إلى ما يحمد ويذم ( كما سيأتي بيانه وتتفاوت لا محالة فضائلها بتفاوتها ) في درجاتها ، ( أما فضيلة التعليم والتعلم ) بالشواهد العقلية ( فظاهرة مما ذكرناه ، فإن العلم إذا كان أفضل الأمور ) وأشرفها ( كان تعلمه ) والسعي في تحصيله ( طلبا للأفضل ، وكان تعليمه إفادة للأفضل ) وبذلا للأشرف ، ( وبيانه أن مقاصد الخلق ) سائرها ( مجموعة في الدين والدنيا ) منوطة بهما معا ، ( ولا نظام للدين إلا بنظام الدنيا ، فإن الدنيا مزرعة الآخرة ) سيأتي للمصنف أنه حديث ، وقال السخاوي : لم أقف عليه مع إيراد