نظرت إلى العلم رأيته لذيذا في نفسه فيكون مطلوبا لذاته ، ووجدته وسيلة إلى دار الآخرة وسعادتها وذريعة إلى القرب من اللّه تعالى ولا يتوصل إليه إلّا به ، وأعظم الأشياء رتبة في حق الآدمي السعادة الأبدية وأفضل الأشياء ما هو وسيلة إليها ولن يتوصل إليها إلا بالعلم والعمل ولا يتوصل إلى العمل إلا بالعلم بكيفية العمل ، فأصل السعادة في الدنيا والآخرة هو العلم فهو إذا أفضل الأعمال ، وكيف لا وقد تعرف فضيلة الشيء أيضا بشرف ثمرته وقد عرفت أن ثمرة العلم القرب من رب العالمين
شرح
لذيذا في نفسه فيكون مطلوبا لذاته ) فيكون أشرف بهذا الاعتبار ( ووجدته وسيلة ) موصلة ( إلى دار الآخرة وسعادتها ) ، والمراد بسعادة الآخرة حسن الحياة فيها وهي الأربع التي تقدم ذكرها ، وقد يقال لما يتوصل به إلى هذه السعادات الأربع أيضا سعادة كالعالم ، فإنه يسمى سعادة بهذا الاعتبار وخيرا مطلقا ( وذريعة ) أي وسيلة ( إلى القرب من اللّه تعالى ) في دار كرامته ( ولا يتوصل إلا به ) أي بالعلم ، ( وأعظم الأشياء رتبة ) وأكبرها وأشرفها ( في حق الآدمي ) المنسوب إلى جده آدم عليه السلام أي في حق الانسان ( السعادة الأبدية ) وهي السعادة المطلوبة التي تقدم ذكرها . ( وأفضل الأشياء ما هو وسيلة إليها ) أي إلى الوصول بها ( ولن يصل إلى ذلك إلا ب ) اكتساب الفضائل النفيسة واستعمالها وأصول ذلك أربعة أشياء العقل وكماله ( العلم ) والعفة وكمالها الورع والشجاعة ، وكمالها المجاهدة والعدالة وكمالها الإنصاف ( و ) هذه الثلاثة هي ( العمل ) ويعبر عنها بالدين أيضا ، ويكمل ذلك بالفضائل البدنية وهي أربعة أشياء ، الصحة والقوة والجمال وطول العمر ، وبالفضائل المطيفة بالانسان وهي أربعة أشياء .
المال والأهل والعز وكرم العشيرة ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتوفيق اللّه عز وجل ، وذلك بأربعة أشياء ، هدايته ورشده وتسديده وتأييده ، فجميع ذلك خمسة أنواع وهي عشرون ضربا ليس للإنسان مدخل في اكتسابها إلا مما هو نفسي فقط ، ( ولا يتوصل إلى العمل أيضا إلا بالعلم بكيفية العمل ) فصار العمل متوقفا على العلم أيضا بهذا الاعتبار ، ( فأصل السعادة في الدنيا والآخرة هو العلم فهو إذا أفضل الأعمال ) ، واعلم أن السعادة الحقيقية هي الخيرات الأخروية وما عداها فتسميته بذلك ، إما لكونه معاونا في بلوغ ذلك ، أو نافعا فيه ، فكل ما أعان على خير سعادة والأشياء التي هي نافعة ومعينة في بلوغ السعادة الأخروية متفاوتة الأحوال ، فمنها ما هو نافع في جميع الأحوال ، وعلى كل وجه ، ومنها ما هو نافع في حال دون حال ، وعلى وجه دون وجه ، وربما يكون ضره أكثر من نفعه ، فحق الإنسان أن يعرفها بحقائقها حتى لا يقع الخطأ عليه في اختياره الوضيع على الرفيع وتقديمه الخسيس على النفيس . ( وكيف لا ، وقد تعرف فضيلة الشيء أيضا بشرف ثمرته ) ونتيجته ، ( وقد عرفت أن ثمرة العلم ) عظيمة شريفة هي ( القرب من اللّه تعالى ) . وفي نسخة من رب العالمين أي في دار كرامته مع المشاهدة بالنظر ( والالتحاق بأفق الملائكة ) ، ويشير إليه ما تقدم في الحديث أنتم كبعض ملائكتي اشفعوا