العلم فضيلة إن أخذته بالإضافة إلى سائر الأوصاف ، كما أن للفرس فضيلة إن أخذته بالإضافة إلى سائر الحيوانات ، بل شدة العدو فضيلة في الفرس وليست فضيلة على الاطلاق ، والعلم فضيلة في ذاته على الاطلاق من غير إضافة ؛ فإنه وصف كمال اللّه سبحانه وبه شرف الملائكة والأنبياء ، بل الكيس من الخيل خير من البليد . فهي فضيلة على الاطلاق من غير إضافة . واعلم أن الشيء النفيس المرغوب فيه ينقسم إلى ما يطلب
شرح
بالإضافة إلى سائر الحيوانات بل شدة العدو ) أي الركض والجري ( فضيلة في الفرس وليس فضيلة على الاطلاق ، والعلم فضيلة في ذاته على الاطلاق من غير إضافة ) ونسبة إلى شيء آخر ، ( فإنه وصف لكمال اللّه تعالى وبه شرف الملائكة والأنبياء ) . إذ لم يبعث الرسل ولا أنزلت الكتب إلا بالعلم ، بل ما قامت السماوات والأرض وما بينهما إلا بالعلم ، فكلما ضمه الوجود من خلقه وأمره صادر عن علمه وحكمته ، واختلف هنا في مسألة وهي هل العلم صفة فعلية أو انفعالية ؟ فقالت طائفة : هو صفة فعلية لأنه شرط أو جزء سبب في وجود المفعول ، فإن الفعل الاختياري يسند عن حياة الفاعل وعلمه وقدرته وإرادته ولا يتصور وجوده بدون هذه الصفات ، وقالت طائفة : هو انفعالي فإنه تابع للمعلوم يتعلق به على ما هو عليه ، فإن العلم درك المعلوم على ما هو به ، فإدراكه تابع له فيكون متقدما عليه ، والصواب أن العلم قسمان ، فعلي وهو علم الفاعل المختار بما يريد ان يفعله فإنه موقوف على إرادته الموقوفة على تصور المراد والعلم به ، فهذا علم قبل الفعل متقدم عليه مؤثر فيه ، وعلم انفعالي : وهو العلم التابع للمعلوم الذي لا تأثير له فيه كعلمنا بوجود الأنبياء والملوك وسائر الموجودات ، فإن هذا العلم لا يؤثر فيه المعلوم ولا هو شرط فيه ، فكل من الطائفتين نظرت جزئيا وحكمت كليا ، وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس ، وكلا القسمين صفة كمال ونقصه من أعظم النقص ، ( بل الكيس ) فيعل من الكياسة ( من الفرس خير من البليد فهي فضيلة على الاطلاق من غير إضافة ) . إعلم أن اللّه سبحانه خلق الموجودات ، وجعل لكل شيء منها كمالا يختص به هو غاية شرفه ، فإذا عدم كماله انتقل إلى الرتبة التي دونه واستعمل فيها فكان استعماله فيها كمال أمثاله ، فإذا عدم تلك أيضا نقل إلى ما دونها ولا تعطل ، وهكذا أبدا حتى إذا عدم كل فضيلة صار كالشوك والحطب الذي لا يصلح إلا للوقود ، فالفرس إذا كانت فيه فروسيته التامة أعد لمراكب الملوك وأكرم إكرام مثله ، فإذا نزل عنها قليلا أعد لمن دون الملك ، فإذا زاد تقصيره أعد لآحاد الأجناد ، فإن تقاصر عنها جملة استعمل استعمال الحمار إما حول المدار وإما لنقل الزبل ونحوه ، فإن عدم ذلك استعمل استعمال الأغنام للذبح والإعدام ، كما يقال في المثل : أن فرسين التقيا أحدهما تحت الملك والآخر تحت الردايا ، فقال فرس الملك : أما أنت صاحبي وكنت أنا وأنت في مكان واحد ، فما الذي نزل بك إلى هذه المرتبة ؟ فقال : ما ذاك إلا أنك هملجت قليلا وتكسعت أنا .
( واعلم أن الشيء النفيس المرغوب فيه ) المعبر عنه بالخير ( ينقسم ) من وجه ( إلى ما يطلب لغيره ) أي تأثيره لغيره ( وإلى ما يطلب لذاته ) لكون تأثيره لذاته ، ( وإلى ما يطلب