تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
أمر واختص أحدهما بمزية يقال فضله وله الفضل عليه مهما كانت زيادته فيما هو كمال ذلك الشيء ، كما يقال الفرس أفضل من الحمار بمعنى أنه يشاركه في قوة الحمل ويزيد عليه بقوّة الكر والفر وشدة العدو وحسن الصورة ، فلو فرض حمار اختص بسلعة زائدة لم يقل أنه أفضل ، لأن تلك زيادة في الجسم ونقصان في المعنى وليست من الكمال في شيء ، والحيوان مطلوب لمعناه وصفاته لا لجسمه ؛ فإذا فهمت هذا لم يخف عليك أن
شرح
دائرة الاشتقاق ، ولذا لم يقل مشتقة ( وهو ) أي الفضل لغة ( الزيادة ) زاد الراغب في مفرداته على الاقتصاد ، وهو اسم لما يتوصل به إلى السعادة ويضادها الرذيلة . وقال ابن السيد في الفرق : الفضل إذا كان يراد به الزيادة ففيه ثلاث لغات كنصر وعلم وكرم ، وأما الفضل الذي هو بمعنى الشرف فليس فيه إلا لغة واحدة وهي فضل يفضل كقعد يقعد ، وتمام البحث في شرحنا على القاموس ( فإذا تشارك شيئان في أمر ) من الأمور ( واختص أحدهما بمزية ) فعيلة من مزي ، وهي فضيلة يمتاز بها عن غيره . قالوا : ولا ينبني منه فعل . ( يقال فضله وله الفضل عليه مهما كانت زيادته فيما هو كمال ذلك الشيء ) والبلوغ إلى أقصى مراتبه ، ( كما يقال الفرس أفضل من الحمار ) يقال ذلك ( بمعنى أنه يشاركه ) أي : الفرس ( في قوة الحمل ) أي : ينهض بالحمل الثقيل ، فكل منهما مشاركان في هذا الوصف ( ويزيد عليه الفرس ) بأوصاف أخرى ( بقوة الكر ) أي قوة إقدامه في الكر أي الحمل على عدوه ، فإنه ينقض عليه كالبازي ( والفر ) أي نهضته للفرار إذا لم يمكن صاحبه المقاتلة ( وشدّة العدو ) أي الجري مع سهولة في الحالتين ، كما قالوا : إن سبق لحق وإن سبق لم يلحق ( وحسن الصورة ) مع ما فيه من الأوصاف قال الدميري في حياة الحيوان : الفرس أشبه بالإنسان لما فيه من الكرم وشرف النفس وعلو الهمة والزهو والخيلاء ، ومن شرفه أن لا يأكل بقية علف غيره ويرى المنامات كبني آدم ويوصف بحدة البصر وربما يعيش إلى تسعين سنة اه . ( فلو فرض حمار اختص بسلعة زائدة ) وتغولي ثمنه ( لم يقل أنه أفضل ) من الفرس ( لأن تلك زيادة في الجسم وهو نقصان من المعنى وليس من الكمال في شيء ، والحيوان مطلوب بمعناه وصفاته ) التي منها حمل الأثقال والصبر والإبلاغ ( لا لجسمه ) ، إعلم أن الفضل إذا استعمل لزيادة حسن أحد الشيئين على الآخر ثلاثة أضرب . فضل من حيث الجنس كفضل جنس الحيوان على جنس النبات ، وفضل من حيث النوع كفضل الانسان على غيره من الحيوان ، وفضل من حيث الذات كفضل رجل على آخر ، فالأولان جوهران لا سبيل للناقص فيهما أن يزيل نقصه ، وأن يستفيد الفضل كالفرس والحمار لا يمكنه اكتساب فضيلة الانسان ، والثالث قد يكون عرضا يمكن اكتسابه ، ومن هذا النحو التفضيل المذكور في قوله تعالى( وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ )[ النحل : 71 ] أي في المكنة والجاه والمال والقوة ، ( وإذا فهمت هذا لم يخف عليك أن العلم فضيلة ) على الاطلاق ، بل أصل كل الفضائل الداخلية ، ( وإن أخذته