شرح
كل من السفيانين ، فأخرج أبو نعيم في الحلية في ترجمة ابن عيينة قال : حدثنا إبراهيم بن عبد اللّه ، حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي ، سمعت بشر بن محمد الجرشي يقول : سمعت ابن عيينة يقول : أول العلم الاستماع ثم الانصات ثم الحفظ ثم العمل ثم النثر . وأخرج ابن الجوزي في ترجمة سفيان الثوري فقال : ويروى عن سفيان بطرق أنه قال : أول العلم الصمت ، والثاني الاستماع له وحفظه ، والثالث العمل به ، والرابع نشره وتعليمه اه .
فللعلم مراتب خمس في قول ابن عيينة ، وأربعة على قول الثوري ، وفصل الخطاب في ذلك أن للعلم ست مراتب . أولها : حسن السؤال ، الثانية : حسن الإنصات والاستماع . الثالثة : حسن الفهم .
الرابعة : الحفظ . الخامسة : التعليم . السادسة : وهي ثمرته هي العمل به ومراعاة حدوده ، فمن الناس من يحرمه لعدم حسن سؤاله . أما انه لا يسأل بحال أو يسأل عن شيء وغيره أهم إليه منه كمن يسأل عن فصوله التي لا يضر جهله بها ويدع ما لا غنى له عن معرفته : وهذه حال كثير من الجهال المتعاطين . ومن الناس من يحرمه لسوء إنصاته فيكون الكلام والمعاداة عنده آثر من حسن الاستماع .
وهذه آفة كائنة في أكثر النفوس الطالبة للعلم وهي تمنعهم علما كثيرا ولو كان حسن الفهم . ذكر ابن عبد البر عن بعض السلف أنه قال : من كان حسن الفهم رديء الاستماع لم يقم خيره بشره .
وذكر عبد اللّه بن أحمد في كتاب العلل له قال : كان عبد اللّه بن الزبير يحب مماراة ابن عباس ، فكان يخزن علمه عنه ، وكان عبيد اللّه بن عبد اللّه يلطف له في السؤال فيعره بالعلم عراء . وقال ابن جريج :
لم أستخرج العلم الذي استخرجت من عطاء إلا برفقي به . وقال بعض السلف : إذا جالست العالم فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول ، وقد قال تعالى :( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ )[ ق : 37 ] فتأمل ما تحت هذه الألفاظ من كنوز العلم ، وكيف تفتح مراعاتها للعبد أبواب العلم والهدى ، وكيف ينغلق باب العلم عنه من إهمالها وعدم مراعاتها ، فإنه سبحانه ذكر أن آياته المسموعة والمرئية المشهودة إنما تكون تذكرة لمن كان له قلب ، فإن من عدم القلب الواعي عن اللّه لم ينتفع بكل آية تمر عليه ولو مرت به كل آية ، فإذا كان له قلب كان بمنزلة البصير إذا مرت به المرئيات فهو يراها ، ولكن صاحب القلب لا ينتفع بقلبه إلا بأمرين . أحدهما : أن يحضره ويشهده لما يلقي إليه ، فإذا كان غائبا عنه مسافرا في الأماني والشهوات والخيالات لا ينتفع به ، فإذا أحضره وأشهده لم ينتفع إلا بأن يلقي سمعه ويصغي بكليته إلى ما يوعظ به ويرشد إليه وهنا ثلاثة أمور . أحدها : سلامة القلب وصحته وقبوله . الثاني : إحضاره وجمعه ومنعه من الشرود والتفرق . الثالث : إلقاء السمع وإصغاؤه والإقبال على الذكر فذكر اللّه تعالى الأمور الثلاثة في هذه الآية . وفي الكشاف لمن كان له قلب واع لأن من لا يعي قلبه فكأنه لا قلب له ، والقاء السمع الإصغاء وهو شهيد أي حاضر بفطنته ، لأن من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب اه .
والمقصود بيان حرمان العلم من هذه الوجوه الستة . أحدها : ترك السؤال . الثاني : سوء