وقال الحسن رحمه اللّه : لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم أي انهم بالتعليم يخرجون الناس من حدّ البهيمية إلى حد الإنسانية . وقال عكرمة : إن لهذا العلم ثمنا . قيل : وما هو ؟ قال : إن تضعه فيمن يحسن حمله ولا يضيعه .
وقال يحيى بن معاذ : العلماء أرحم بأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من آبائهم وأمهاتهم . قيل : وكيف ذلك ؟ قال : لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا وهم يحفظونهم من نار الآخرة ، وقيل : أول العلم الصمت ثم الاستماع ثم الحفظ ثم العمل ثم نشره . وقيل : علّم
شرح
والمغارب . ( وقال الحسن ) البصري : ( لولا العلماء ) باللّه وبأحكام اللّه ( لصار الناس ) في جاهلية جهلاء ( مثل البهائم ) والأنعام لا يهتدون سبيلا ( لأنهم ) أي الناس . وفي نسخة أي أنهم ( بالتعليم ) لأمور الدين ( يخرجون الناس من حد البهيمية إلى حد الإنسانية ) وتحقيق المقام أن الإنسان وإن كان هو بكونه إنسانا أفضل موجود فذلك إذ يراعي ما به صار إنسانا وهو العلم والعمل المحكم ، فبقدر وجود ذلك المعنى فيه يفضل ، وهذا لا سبيل إليه إلا بالتعليم .
وأما هو من حيث ما يتغذى وينسل فنبات ، ومن حيث ما يحس ويتحرك فحيوان ، ومن حيث الصورة التخطيطية فكصورة في جدار ، وإنما فضيلته بالنطق وقواه ومقتضاه ، ولهذا قيل : ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة ، وهذه المراتب لا تحصل له إلا بالتعليم ، وبه يتميز من الحيوانية ويخرج منها إلى حد الإنسانية ، فالعلماء هم الذين يعلمون الناس بما يصيرون به إنسانا . ( وقال عكرمة ) أبو عبد اللّه المفسر مولى بن عباس ، روى عن مولاه ، وعائشة ، وأبي هريرة ، وطائفة . وعنه أيوب وخالد الحذاء وخلف روى له مسلم مقرونا مات بعد المائة ( إن لهذا العلم ) أراد به العلم باللّه وأوامره وأحكامه ( ثمنا ) أي قيمة وقدرا ( قيل : وما ذلك ) الثمن . قال : ( أن تضعه ) في موضعه ( فيمن يحسن حمله ) بأن يكون مراده بذلك العمل به والنفع لغيره بإيصاله إليه لا لقصد المباهاة وغير ذلك ( ولا تضيعه ) بعدم العمل به أو بوضعه فيمن لا يحسن حمله ، فواضع العلم في غير أهله كمقلد الخنازير بالدر واليواقيت ، وسيأتي ذلك .
وفي قول النسابة البكري إن للعلم آفة ونكدا وهجنة فآفته نسيانه ونكده الكذب فيه ، وهجنته نشره عند غير أهله . ( وقال يحيى بن معاذ ) الرازي أحد أعيان الصوفية المشاهير : ( العلماء أرحم ) أي أكثر رحمة وشفقة وحنوا ( بأمة محمد ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( ومن آبائهم وأمهاتهم قيل : وكيف ذلك ؟ قال : لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم ) بمقتضى الشفقة المجبولين عليها ( من نار الدنيا ) أي : من الوقوع فيها ( وهم يحفظونهم ) بمقتضى الرحمة التامة والهداية العامة ( من نار الآخرة ) أي يعلمونهم بما يكون سببا لنجاتهم منها ، وللعلماء في الأرحمية بهم وجوه أخر كتغذيتهم إياهم بالحكمة التي بها قوام الروح ، والأبوان يغذيانهم بما فيه قوام الجسد ، والعلماء يحلونهم بالحياء والسكينة والوقار ، والأبوان يسترانهم بلبس الظاهر والعلماء بلباس الباطن .
( وقيل : أول العلم الصمت ، ثم الاستماع ، ثم الحفظ ، ثم العمل ثم نشره ) . هذا القول روي عن