سعيد بن المسيب وهو يبكي ، فقلت : ما يبكيك ؟ قال : ليس أحد يسألني عن شيء .
وقال بعضهم : العلماء سرج الأزمنة كل واحد مصباح زمانه يستضيء به أهل عصره .
شرح
يبكي فقلت له : ما يبكيك ؟ فقال : ) يبكيني أنه ( ليس أحد يسألني عن شيء ) فحزنه على فوات فضيلة التعليم والإرشاد ولولا خطر مقامه وعظيم منزلته لما بكى على فواته . ( وقال بعضهم العلماء سرج الأزمنة كل واحد منهم مصباح زمانه يستضيء به أهل عصره ) السرج : بضمتين جمع سراج هو والمصباح شيء واحد ، والأزمنة جمع زمان هو والعصر شيء واحد . قال صاحب المصباح : السراج بالكسر المصباح وجمعه سرج ككتاب وكتب ، والمسرجة بالفتح التي فيها الفتيلة والدهن ، وبالكسر التي يوضع فيها المسرجة ، والجمع مسارج وأسرج السراج أوقد ، ثم قال : والمصباح معروف والجمع مصابيح ، ثم قال : والزمان مدة قابلة للقسمة ، ولهذا يطلق على الوقت القليل والكثير ، والجمع أزمنة والعصر الدهر والجمع عصور وأعصر ، فإذا عرفت ذلك فأعلم أن مغايرة التعبير مع اتحاد المعنى تفنن ، وهذا الذي ذكره عن البعض قد جاء مصداقه في الحديث الذي أخرجه الديلمي في مسند الفردوس ، عن أنس رفعه بسند فيه القاسم ابن إبراهيم الملطي ، قال الدارقطني : كذاب اتبعوا العلماء فإنهم سرج الدنيا ومصابيح الآخرة ، والحديث وإن كان أورده ابن الجوزي في الموضوعات ، وجزم به السيوطي وغيره ، فالمعنى صحيح أن يستضاء بهم من ظلمات الجهل كما ينجلي ظلام الليل بالسراج المنير بالليل ويهتدى به فيه فمن اقتدى بهم اهتدى بنورهم ، وشبه العالم بالسراج لأنه تقتبس منه الأنوار بسهولة وتبقى فروعه بعده ، وكذا العالم ولأن البيت إذا كان فيه سراج لم يتجاسر اللص على دخوله مخافة أن يفتضح ، وكذا العلماء إذا كانوا بين الناس اهتدوا بهم إلى طلب الحق وإزاحة ظلمة الجهل والبدعة ، ولأنه إذا كان في البيت سراج موضوع في كوة مسدودة بزجاج أضاء داخل البيت وخارجه ، وكذا سراج العلم يضيء في القلب وخارج القلب حتى يشرق نوره على الأذنين والعينين واللسان ، فتظهر فنون الطاعات من هذه الأعضاء ، ولأن البيت الذي فيه السراج صاحبه متأنس مسرور ، فإذا طفىء استوحش ، فكذلك العلماء ما داموا في الناس فهم مستأنسون مسرورون ، فإذا ماتوا صار الناس في غم وحزن .
فإن قلت : ما الحكمة في التشبيه بخصوص السراج ، وما المناسبة التامة بينهما ؟
قلت ، المصباح تضره الرياح والعلم يضره الوسواس ، والشبهات والسراج لا يبقى بغير دهن ، والعلم لا يبقى بغير توفيق ، ولا بد للسراج من حافظ يتعهده ، ولا بد لمصباح العلم من متعهد وهو فضل اللّه وهدايته ، ولأن السراج يحتاج إلى سبعة أشياء . زناد وحجر وحراق وكبريت ومسرجة وفتيلة ودهن ، والعبد إذا طلب إيقاد سراج العلم لا بد من قدح زناد الفكر على حجر التضرع ، وإحراق النفس بمنعها من شهواتها ، وكبريت الإنابة ، ومسرجة الصبر ، وفتيلة الشكر ، ودهن الرضا . وقد ورد أيضا تشبيه العلماء بالنجوم والكواكب وبالقمر تقدم ذلك في حديث أبي الدرداء الطويل ، فلا يرد لم لم يشبههم بالقمرين والنجوم مع أنها أنور وأرفع في المشارق