تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
شرح
ما أمسكت خاصة ، ومنها ما لم تنبت ولم تمسك مركب من عدة أمور كما تراه وشبه من انتفع بالعلم ونفع به بأرض قبلت الماء وأنبتت وهو تمثيل ، لأن وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من قبول المحل لما يرد عليه من الخير مع ظهور أماراته وانتشارها على وجه عام الثمرة متعدي النفع ولا يخفى أن هذه الهيئة منتزعة من أمور متعددة ، ويجوز أن يشبه انتفاعه بقبول الأرض الماء ونفعه المتعدي بإنباتها الكلأ ، والأول أدخل وأجزل ، ثم قال : قد وقع في الحديث أنه شبه من انتفع بالعلم في خاصة نفسه ولم ينفع به أحدا بأرض أمسكت الماء ولم تنبت شيئا أو شبه انتفاعه المجرد بإمساك الأرض للماء مع عدم انباتها ، وشبه من عدم فضيلتي النفع والانتفاع جميعا بأرض لم تمسك ماء أصلا ، وشبه فوات ذلك له بعدم إمساكها الماء . وهذه الحالات الثلاث مستوفية لأقسام الناس ففيه من البديع التقسيم . فإن قلت : ليس في الحديث تعرض للقسم الثاني فإنه قال فذلك مثل من فقه في دين اللّه ونفعه ما بعثني اللّه به فعلم وعلم وهذا القسم الأول ، ثم قال : ومثل من لم يرفع رأسا إلخ هذا هو القسم الثالث ، فأين الثاني ؟ فالجواب : ذكر من الأقسام أعلاها وأدناها وطوى ذكر ما بينهما لفهمه من أقسام المشبه به المذكورة أولا أو أن قوله : ونفعه معطوف على الموصول الأول أي : فذلك مثل من فقه في دين اللّه ومثل من نفعه ، فتكون الأقسام الثلاثة مذكورة فمن فقه في دين اللّه هو الثاني ، ومن نفعه اللّه من ذلك فعلم وعلم هو الأول ، ومن لم يرفع بذلك رأسا هو الثالث . ففيه لف ونشر غير مرتب ، هذا كلام الدماميني . وقال ابن القيم : شبّه صلّى اللّه عليه وسلّم العلم والهدى الذي جاء به بالغيث لما يحصل بكل واحد منهما من الحياة والمنافع والأغذية والأدوية وسائر مصالح العباد ، فإنها بالعلم والمطر . وشبه القلوب بالأراضي التي يقع عليها المطر لأنها المحل الذي يمسك الماء فينبت سائر أنواع النبات النافع ، كما أن القلوب تعي العلم فتثمر وتزكو وتظهر بركته وثمرته ، ثم قسّم الناس إلى ثلاثة أقسام بحسب قبولهم واستعدادهم لحفظه وفهم معانيه واستنباط أحكامه واستخراج حكمه وفوائده . أحدها : أهل الحفظ والفهم الذين حفظوه وعقلوه وفهموا معانيه واستنبطوا وجوه الأحكام والحكم والفوائد منه ، فهؤلاء بمنزلة الأرض التي قبلت الماء ، وهذا بمنزلة الحفظ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وهذا هو الفهم فيه ، والمعرفة والاستنباط فهو بمنزلة الكلأ والعشب بالماء ، فهذا مثل الحفاظ الفقهاء أهل الرواية والدارية . القسم الثاني : أهل الحفظ الذين رزقوا حفظه ونقله وضبطه ولم يرزقوا تفقها في معانيه ولا استنباطا واستخراجا لوجوه الحكم والفوائد منه ، فهم بمنزلة من يقرأ القرآن ويحفظه ويراعي حروفه وإعرابه ولم يرزق فيه فهما خاصا عن اللّه تعالى ، والناس متفاوتون في الفهم عن اللّه تعالى ورسوله أعظم تفاوت ، فرب شخص يفهم من النص حكما أو حكمين ، ويفهم منه الآخر مائة أو مائتين ، فهؤلاء بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس فانتفعوا به ، هذا يشرب منه ، وهذا