فالأول ذكره مثلا للمنتفع بعلمه ، والثاني ذكره مثلا للنافع ، والثالث للمحروم منهما .
شرح
شرح هذا الحديث قوله : مثل هو بالتحريك قوله من الهدى والعلم بالجر عطف على الهدى من عطف المدلول على الدليل ، لأن الهدى هو الدلالة الموصلة للمقصود ، والعلم هو المدلول وهو صفة توجب تميزا لا يحتمل النقيض ، والمراد به هنا الأدلة الشرعية قاله القسطلاني ، ولا يخفى أن جعل العلم مرادا به الأدلة الشرعية فيه مسامحة لظهور أن الأدلة ليست مدلولا للدلالة ، وعليه فالمراد مدلول الأدلة الشرعية وهو الأحكام الشرعية كوجوب الصلاة مثلا فتدبر قوله ، نقية : من النقاء بالنون والقاف أي طيبة ، قوله : قبلت الماء بكسر الموحدة من القبول . وقال إسحاق بن راهويه :
قيلت الماء بالتحتية المشددة والمعنى شربت القيل وهو شرب نصف النهار ، وجزم الأصيلي بأنه تصحيف . وذكر العشب بعد الكلأ من باب ذكر الخاص بعد العام إذ الكلأ النبات يابسا ورطبا والعشب الرطب منه . وفي رواية الحميدي والخطابي ثغبة بالمثلثة مفتوحة وغين معجمة ساكنة وهو مستنقع الماء في الجبال والأودية . ورده عياض وحكم بتصحيفه وقلبه للتمثيل قال : لأنه إنما جعل هذا المثل لما ينبت والثغاب لا ينبت .
وفي كتاب مسلم طائفة طيبة قبلت الماء قوله أجادب جمع جدب محركة على غير قياس وصوّبه الأصيلي وقيل بالذال المعجمة ، وهكذا ضبطه المازري ووهمه عياض . وفي رواية أبي ذر آخاذات بالكسر جمع آخاذة وهي الأرض التي تمسك الماء كالغدير ، وعند الإسماعيلي أحارب بحاء مهملة وراء وآخره موحدة ، وفي المصابيح ويروى : أجارد أي جرداء بارية لا يسترها النبات ، قوله :
ورعوا وفي رواية وزرعوا . قوله : وأصاب منها طائفة أخرى ، وللأصيلي وكريمة وأصابت ووقع كذلك عند النسائي . ( فالأول ذكره مثلا للمنتفع بعلمه ، والثاني للنافع ، والثالث للمحروم منهما ) .
أي ، الأول : هو العالم العامل المعلم وهو كالأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها .
الثاني : الجامع للعلم المستغرق زمانه المعلم غيره ، لكنه لم يعمل بنوافله أو لم ينفقه فيما جمع ، فهو كالأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به . وقوله في الحديث : ومثل من لم يرفع بذلك رأسا هو كناية عن تكبره وعدم التفاته ، وهو من دخل في الدين ولم يسمع العلم أو سمعه ولم يعمل به ولم يعلمه فهو كالأرض السبخة التي لا تقبل الماء أو تفسده على غيرها ، وأشار بقوله : ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به إلى من لم يدخل في الدين أصلا بل بلغه فكفر به ، وهو كالأرض الصماء الملساء المستوية التي يمر عليها الماء فلا تنتفع به ، وهذا هو المشار إليه بالقول الثالث في كلام المصنف .
وقال الدماميني في المصابيح : وتشبيه الهدى والعلم بالغيث الكريم المذكور تشبيه مفرد بمركب إذ الهدى مفرد ، وكذا العلم والمشبه به غيث كثير أصاب أرضا منها ما قبلت الماء فأنبتت ، ومنها