تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤

الفصل السادس في ذكر شيء من كراماته :

يحكى أن السلطان علي بن يوسف بن تاشفين صاحب المغرب الملقب بأمير المسلمين ، وكان أميرا عادلا نزها فاضلا عارفا بمذهب مالك خيّل إليه لما دخلت مصنفات الغزالي إلى المغرب أنها مشتملة على الفلسفة المحضة وكان المذكور يكره هذه العلوم ، فأمر بإحراق كتب الغزالي ، وتوعد بالقتل من وجد عنده شيء منها ، فاختلت حاله ، وظهرت في بلاده مناكر كثيرة ، وقويت عليه الجند ، وعلم من نفسه العجز بحيث كان يدعو اللّه بأن يقيض للمسلمين سلطانا يقوى على أمرهم ، وقوي عليه عبد المؤمن بن علي ولم يزل من حين فعل بكتب الغزالي ما فعل في عكس ونكد إلى أن توفي ، وقال أبو عبد اللّه محمد بن يحيى بن عبد المنعم العبدري المؤذن . رأيت بالإسكندرية سنة خمسمائة في إحدى عشرة من المحرم أو صفر فيما يرى النائم كأن الشمس طلعت من مغربها ، فعبر ذلك بعض المعبرين ببدعة تحدث فيهم ، فبعد أيام وصلت المراكب بإحراق كتب الإمام أبي حامد الغزالي بالمرية وذكر الإمام فخر الدين أبو بكر الشاشي أنه كان في زماننا رجل يكره الغزالي يذمه ويستغيبه في الديار المصرية ، فرأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام ، وأبا بكر وعمر رضي اللّه عنهما بجانبه ، والغزالي جالس بين يديه وهو يقول : يا رسول اللّه هذا يتكلم فيّ فإذا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : هاتوا السياط وأمر به فضرب لأجل الغزالي ، وقام هذا الرجل من النوم وأثر السياط على ظهره لم يزل ، وكان يبكي ويحكيه للناس ، ولهذه القصة نظيرة وقعت لابن حرزهم المغربي يأتي ذكرها عند ذكر كتاب الإحياء . وقال ابن السبكي : وحكى لي بعض الفقهاء أهل الخير بالديار المصرية أن شخصا تكلم في الغزالي في درس الشافعية وسبّه ، فحمل هذا الحاكي من ذلك هما مفرطا ، وبات تلك الليلة فرأى الغزالي في النوم فذكر له ما وجد من ذلك ، فقال : لا تحمل هما غدا يموت ، فلما أصبح توجه إلى درس الشافعي فوجد ذلك الفقيه قد حضر طيبا في عافية ، ثم خرج من الدرس فلم يصل إلى بيته إلا وقد وقع من على الدابة ودخل بيته في حال التلف وتوفي آخر ذلك النهار .

الفصل السابع في انتقاله من دار الدنيا إلى دار الآخرة :

قالوا : ولم يزل موزعا أوقاته على تلاوة القرآن ومجالسة أرباب القلوب وإدامة الصيام والقيام ، حتى كان في جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة ، وفي كتاب الثبات عند الممات لابن الجوزي قال أحمد أخو الغزالي : لما كان يوم الاثنين وقت الصبح توضأ أخي وصلّى وقال : عليّ بالكفن فأخذه وقبّله ووضعه على عينيه ، وقال : سمعا وطاعة للدخول على الملك ، ثم مدّ رجليه واستقبل ، فانتقل إلى رضوان اللّه تعالى قبل الاسفار طيب الثناء أعلى منزلة من نجم السماء لا يكرهه إلا حاسد أو زنديق ، ولا يسومه بالسوء إلا من كان في قلبه ريب أو حاد عن سواء الطريق . وقال
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 14 | مرتضى الزبيدي