إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 157
( فضيلة التعليم ) ( أما الآيات ) فقوله عز وجل : ( وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) [ التوبة : 122 ] والمراد هو التعليم والارشاد . وقوله تعالى : ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ) [ آل عمران : 187 ] وهو إيجاب للتعليم . وقوله تعالى : مخصوص ، والعالم حجة اللّه على المعارض في سائر الأقطار وبيده سلاح العلم يقاتل به ، فقد أخرج الديلمي ، وأبو نعيم ، عن عمار بن ياسر ، وأنس بن مالك رفعاه : « طلب العلم كالغادي والرائح في سبيل اللّه عز وجل » . وأخرج الديلمي أيضا عن أنس : « طالب العلم أفضل عند اللّه من المجاهد في سبيل اللّه » . ومثله قول كعب الأحبار : طالب العلم كالغادي الرائح في سبيل اللّه عز وجل . فضيلة التعليم : [ الف : في الكتاب ] تقدم تعريفه والاختلاف فيه ، وإنما قدّم التعلم عليه لكونه أهم ما أورد فيها ست آيات فقال : ( أما الآيات فقوله تعالى ) ( وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) [ التوبة : 122 ] قال ( والمراد ) من الإنذار ( هو التعليم والإرشاد ) قال ابن عرفة : الإنذار هو الإعلام بالشيء الذي يحذر منه وكل منذر معلم ولا عكس اه . فحينئذ تفسيره بالتعليم هو المطابق كما أنه يأتي بمعنى الاعلام أيضا كما تقدم ، وأما بالإرشاد فهو تفسير باللازم كما لا يخفى ، ثم إن الإنذار يتعدى باثنين لنفسه كقوله تعالى : ( إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً ) [ النبأ : 40 ] ويجوز في ثاني مفعوليه الحذف اقتصارا لا اختصارا كما هنا ، ونحو : كلوا واشربوا . وهذه الآية ندب اللّه تعالى بها المؤمنين إلى التفقه في الدين وهو تعلمه ، وقد تقدم ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم وهو التعليم ، وقد اختلف في الآية . فقيل : المعنى أن المؤمنين لم يكونوا لينفروا كلهم للتفقه والتعلم ، بل ينبغي أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة تتفقه تلك الطائفة ، ثم ترجع تعلم القاعدين فيكون النفير على هذا نفير تعلم ، والطائفة يقال على الواحد فما زاد . قالوا : فهو دليل على قبول خبر الواحد ، وعلى هذا حملها الشافعي وجماعة . وقالت طائفة أخرى المعنى : وما كان المؤمنون لينفروا إلى الجهاد كلهم ، بل ينبغي أن ينفر منهم طائفة للجهاد وفرقة تقعد تتفقه في الدين ، فإذا جاءت الطائفة التي نفرت فقهتها القاعدة وعلمتها ما أنزل من الدين والحلال والحرام ، وعلى هذا فيكون قوله : ليتفقهوا ولينذروا للفرقة التي نفرت منها طائفة ، وهذا قول الأكثرين ، وعلى هذا فالنفير نفير جهاد على أصله ، فإنه حيث استعمل إنما يفهم منه الجهاد وعلى القولين فهو ترغيب في التفقه في الدين وتعلمه وتعليمه ، فإن ذلك يعدل الجهاد ، بل ربما يكون أفضل منه كما تقدم . ( وقوله ) تعالى : ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) أي أعطوه ( ليبيننه للناس ) أي ليظهرنه بالاعلام والتعليم ( وَلا تَكْتُمُونَهُ ) [ آل عمران : 187 ] قال : ( وهو ايجاب للتعليم ) ويسمى هذا بيان الاختبار ، ومنه أيضا قوله تعالى : ( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) [ النحل : 44 ]