وقال ابن المبارك رحمه اللّه : عجبت لمن لم يطلب العلم كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة ، وقال بعض الحكماء : إني لا أرحم رجالا كرحمتي لأحد رجلين ، رجل يطلب العلم ولا يفهم ، ورجل يفهم العلم ولا يطلبه . وقال أبو الدرداء رضي اللّه عنه : لأن أتعلم مسألة أحب إليّ من قيام ليلة . وقال أيضا : العالم والمتعلم شريكان في الخير وسائر الناس همج لا خير فيهم . وقال أيضا : كن عالما أو متعلما أو مستمعا ولا تكن الرابع فتهلك .
شرح
إخوانكم فخرجوا ، ثم قال : اخرج فقل من أراد أن يسأل عن العربية والشعر والغريب من الكلام فليدخل فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم . قال أبو صالح : فلو أن قريشا كلها فخرت بذلك لكان فخرا له ، فما رأيت مثل هذا لأحد من الناس .
( وقال ابن المبارك رحمه اللّه ) تقدمت ترجمته ( عجبت لمن لم يطلب العلم كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة ) بضم الراء واحد المكارم . أي لأن المكارم كلها في طلب العلم فإنه العز الباقي وما عداه يزول . ( وقال بعض الحكماء ) وفي بعض النسخ العلماء ( إني لا أرحم رجلا كرحمتي لأحد رجلين : رجل يطلب العلم ولا يفهم ) أي لا يتمكن من الفهم لأسراره وحقائقه ، فهو أبدا في تعب حقيق أن يرحم ( ورجل يفهم ) أي أعطي ذهنا وقادا وفكرة قابلة للفهم ( ولا يطلب ) إما كبرا أو حياء أو غير ذلك ، فهو يضع نفسه حري أن يرحم وقريب من هذين من طلب وفهم ولم يجد من يعلمه . ( وقال أبو الدرداء رضي اللّه عنه ) عويمر بن عامر الأنصاري صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أسلم عقب بدر ، وفرض له عمر فألحقه بالبدريين لجلالته مات سنة اثنين وثلاثين ( لأن أتعلم مسألة ) أي في الدين أي مسائل العلم ( أحب إليّ من قيام ليلة ) . وأخرج الخطيب بسنده إليه قال : مذاكرة العلم ساعة خير من قيام ليلة . وأخرج أبو نعيم في الحلية من رواية قيس بن عمار الرهيني ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن معداد ، عن أبي الدرداء قال : تفكر ساعة خير من قيام ليلة . ( وقال ) أبو الدرداء ( أيضا العالم والمتعلم شريكان في الخير وسائر الناس همج لا خير فيهم ) الهمج محركة ذباب صغير كالبعوض يقع على وجوه الدواب ، ويقال للرعاع همج على التشبيه ، وهذا قد روي مرفوعا من حديثه ، أخرجه الطبراني في الكبير ، والديلمي في مسند الفردوس بسند فيه معاوية بن يحيى الصدفي ، إلّا انه ليس فيه همج ، وقوله :
شريكان في الخير أي لاشتراكهما في نشر العلم ونشره أعظم أنواع البر وبه قوام الدنيا والدين ، وأخرج أبو نعيم في الحلية من رواية زائدة ، عن منصور ، عن سالم بن الجعد ، عن أبي الدرداء قال :
فإني أرى علماءكم يذهبون وجهالكم لا يتعلمون ، فإن معلم الخير والمتعلم في الأجر سواء ، ولا خير في سائر الناس بعدهما . وأخرج أبو خيثمة في كتاب العلم ، عن جرير ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد فساقه إلّا أنه قال : وليس في الناس خير بعده . وأخرج أبو نعيم من رواية يحيى بن إسحاق ، حدثنا فرج بن فضالة ، عن لقمان بن عمر ، عن أبي الدرداء قال : الناس ثلاثة عالم أو متعلم والثالث همج لا خير فيه . وأخرج أيضا من رواية شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن سالم بن أبي الجعد قال : قال أبو الدرداء : تعلموا فإن العالم والمتعلم في الأجر سواء ولا خير في سائر الناس