تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
وحرامه . وقال الشافعي رضي اللّه عنه : طلب العلم أفضل من النافلة . وقال ابن عبد الحكم رحمه اللّه : كنت عند مالك أقرأ عليه العلم فدخل الظهر فجمعت الكتب لأصلي فقال : يا هذا ما الذي قمت إليه بأفضل مما كنت فيه إذا صحت النيّة . وقال أبو الدرداء رضي اللّه عنه : من رأى أن الغدوّ إلى طلب العلم ليس بجهاد فقد نقص في رأيه وعقله .
شرح
عاقل بصير ) أي كامل العقل تامه متبصر ( بحلال اللّه وحرامه ) أي بمعرفة ما أحل اللّه مما حرمه ، وذلك لأن العابد نفعه من عبادته قاصر على نفسه ، وأما العالم فإنه يفيد غيره فيكون سببا لبقاء هذا الدين ، والمراد بالعابد مع الجهل ، أو الذي اشتغل بالعبادة مع علمه وترك التعليم . ويروى عنه : موت ألف عابد أهون من موت عالم بصير بحلال اللّه وحرامه . ووجهه أن هذا العالم يهدم على إبليس ما يبنيه بعلمه وارشاده ، والعابد علمه مقصور على نفسه . ( وقال ) محمد بن إدريس ( الشافعي ) رحمه اللّه تعالى فيما أخرجه الخطيب في شرف أصحاب الحديث من رواية الأصم قال : سمعت الربيع بن سليمان يقول : سمعت الشافعي يقول : ( طلب العلم أفضل من صلاة النافلة ) . وقال حرملة : سمعت الشافعي يقول : ما تقرب إلى اللّه عز وجل بعد أداء الفرائض بأفضل من طلب العلم . ( وقال ) الفقيه أبو محمد عبد اللّه ( ابن عبد الحكم ) بن أعين ابن الليث مولى امرأة من موالي عثمان بن عفان ، وهو من الطبقة الصغرى من أصحاب مالك من أهل مصر ، أخذ عن مالك وروى عنه الأكابر ، وإليه انتهت الزئاسة والجاه بمصر ، وعليه نزل الإمام الشافعي فأكرمه وعنده مات . مات سنة 214 عن ستين سنة ، وأما ابنه محمد فقال ابن يونس كان مفتي مصر روى عن ابن وهب وطائفة ، وعنه النسائي ، وابن خزيمة ، والأصم وآخرون . مات سنة ثمان وستين ومائتين . ( كنت عند مالك ) ابن أنس الإمام بالمدينة ( أقرأ عليه العلم فدخل ) وقت ( الظهر فجمعت الكتب ) وقمت ( لأصلي ) أي النافلة كما يدل له السياق ، ( فقال ) مالك : ( يا هذا ما الذي قمت إليه ) من النافلة ( بأفضل مما كنت فيه ) من الاشتغال بالعلم ( إذا صحت النية ) بأن يكون تعلمه للعمل به للّه تعالى ، فنبه مالك بقوله هذا على فضل طلب العلم وشرط فيه صحة النية ، وهذه القصة نسبها ابن القيم إلى ابن وهب ولفظه : وقال ابن وهب : كنت عند مالك فحانت صلاة الظهر أو العصر ، وأنا أقرأ وأنظر في العلم بين يديه ، فجمعت كتبي وقمت لأركع فقال لي مالك : ما هذا ؟ فقلت : أقوم إلى الصلاة . فقال : إن هذا لعجب ما الذي قمت إليه أفضل من الذي كنت فيه إذا صحت النية ، وبمثل هذا روي عن سفيان . أخرجه الخطيب في شرف أصحاب الحديث من رواية وكيع قال : سمعت سفيان يقول : لا نعلم شيئا من الأعمال أفضل من طلب العلم والحديث لمن حسنت فيه نيته . ( وقال أبو الدرداء ) رضي اللّه عنه ( من رأى أن الغدو ) أي الذهاب أوّل النهار وزاد في رواية : والرواح ( إلى ) طلب ( العلم ) وتحصيله ( ليس بجهاد ) أي حقيقة أو قائما مقامه ( فقد نقص في عقله ورأيه ) ، بل هو المجاهد الأكبر لأن المجاهد يقاتل قوما مخصوصين في قطر