تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
( وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ )
[ البقرة : 146 ] وهو تحريم للكتمان ، كما قال تعالى في الشهادة :
( وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ )
[ البقرة : 283 ] علما . وقال تعالى :
( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً )
[ فصلت : 33 ] . وقال تعالى :
( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ )
[ النحل : 125 ] .
شرح
( وقال تعالى :وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ )قال : ( وهو تحريم للكتمان كما قال في الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) . وحقيقة الكتم ستر الشيء وتغطيته وغلب في الحديث . وأخرج الطبراني بإسناد لا بأس به عن ابن عباس رفعه : « من كتم علما يعلمه ألحم بلجام من نار » قال هي الشهادة تكون عند الرجل يدعى إليها أو لا يدعى وهو يعلمها فلا يرشد صاحبها إليها فهذا هو العلم . وأخرج أيضا من حديث سعيد بن الدخاس « من علم شيئا فلا يكتمه » . ( وقال تعالى :وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً )[ فصلت : 33 ] وقال : إنني من المسلمين . قال الحسن : هو المؤمن أجاب اللّه في دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب اللّه فيه من دعوته وعمل صالحا في إجابته ، فهذا حبيب اللّه . هذا ولي اللّه فمقام الدعوة إلى اللّه أفضل مقامات العبد . ( وقال تعالى ) :( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ )[ النحل : 125 ] الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن . اعلم أن المنتفع بآيات اللّه من الناس نوعان . أحدهما : ذو القلب الواعي الذكي الذي يكتفي بهدايته بأدنى تنبيه فهذا لا يحتاج إلا إلى وصول الهدى إليه لكمال استعداده وصحة فطرته ، فإذا جاء الهدى سارع قلبه إلى قبوله كأنه مكتوب فيه ، وهذه حال أكمل الخلق استجابة لدعوة الرسل كما هي حال الصديق رضي اللّه عنه . والنوع الثاني : من ليس له هذا الاستعداد والقبول ، فإذا ورد عليه الهدى أصغى إليه سمعه وأحضر قلبه وعلم صحته وحسنه بنظره واستدلاله ، وهذه طريقة أكثر المستجيبين ، والأولون هم الذين يدعون بالحكمة وهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة ، فهؤلاء نوعا المستجيبين ، وأما المعارضون الدافعون للحق فنوعان : نوع يدعون بالمجادلة بالتي هي أحسن ، فإن استجابوا وإلا فالمجالدة ، فهؤلاء لا بدّ لهم من جدال أو جلاد ، ومن تأمل دعوة القرآن وحدها شاملة لهؤلاء الأقسام كما بين ذلك قوله تعالى :( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ )الآية . وأما أهل الجلاد فهم الذين أمر اللّه تعالى بقتالهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله للّه ، وأما من فسر قوله تعالى :( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ )إنها القياس البرهاني والموعظة الحسنة القياس الخطابي وجادلهم بالتي هي أحسن القياس الجدلي ، فهذا ليس من تفسير الصحابة ولا التابعين ولا أحد من أئمة التفسير ، بل هو تحريف لكلام اللّه تعالى وحمل له على اصطلاح المنطقية ، وهذا من جنس تفاسير القرامطة والباطنية والمعتزلة ، والقرآن بريء من ذلك كله منزه عن هذه الهذايانات ( وقال ) تعالى :( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ )[ البقرة : 129 ] الحكمة في معارف الشرع اسم للعلوم المدركة بالعقل ، وقد أفرد ذكرها في عامة القرآن عن الكتاب فجعل الكتاب اسما لما لا يدرك إلا من جهة النبوة