تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
وكذلك قال ابن أبي مليكة رحمه اللّه : ما رأيت مثل ابن عباس إذا رأيته رأيت أحسن الناس وجها ، وإذا تكلم فأعرب الناس لسانا ، وإذا أفتى فأكثر الناس علما .
شرح
حال الطلب للعلم ، كأنه يقول : أهنت نفسي واخترت المشقة في طلب العلم ( فعززت مطلوبا ) أي فصرت عزيزا في حال كوني مطلوبا ، ويدل لذلك ما أخرجه الحاكم في المستدرك من رواية يزيد ابن هارون ، والطبراني من رواية وهب بن جرير كلاهما عن جرير بن حازم وهو والد الأخير قال : سمعت يعلى بن حكيم يحدث ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قلت لرجل : هلم فلنتعلم من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإنهم كثير ، فقال : العجب واللّه لك يا ابن عباس أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من ترى من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ فتركت ذلك وأقبلت على المسألة وتتبع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن كنت لآتي الرجل في الحديث يبلغني أنه سمعه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأجده قائلا ، فأتوسد ردائي على باب داره تسفي الرياح على وجهي حتى يخرج إليّ ، فإذا رآني قال : يا ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مالك ؟ قلت : حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأحببت أن أسمعه منك ، فيقول : هلا أرسلت إليّ فآتيك . فأقول : أنا كنت أحق أن آتيك ، وكان ذلك الرجل يراني ، فذهب أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد احتاج الناس إليّ فيقول أنت كنت أعلم مني ( ولذلك قال ) أبو بكر عبد اللّه بن عبد اللّه ( ابن أبي مليكة رحمه اللّه ) . وأبو مليكة اسمه زهير بن عبد اللّه بن جدعان التيمي . كان أبو بكر مؤذن ابن الزبير وقاضيه سمع عائشة وابن عباس وعنه أيوب والليث قال : بعثني ابن الزبير على قضاء الطائف ، فكنت أسأل ابن عباس توفي سنة ثمانية عشر ومائة . ( ما رأيت مثل ابن عباس إذا رأيته رأيت أحسن الناس وجها ) وكان جميل الصورة كأبيه ( فإذا تكلم فأعرب الناس ) أي أفصحهم وأظهرهم ( لسانا ) وبيانا ( وإذا أفتى فأكثر الناس علما ) . وأخرج أبو نعيم في الحلية من رواية يونس بن بكير ، حدثنا أبو حمزة الثمالي ، عن أبي صالح قال : لقد رأيت من ابن عباس مجلسا لو أن جميع قريش فخرت به لكان لها فخرا ، لقد رأيت الناس اجتمعوا حتى ضاق بهم الطريق فما كان أحد يقدر على أن يجيء ولا يذهب . قال : فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه ، فقال : ضع لي وضوءا قال ؛ فتوضا وجلس وقال : اخرج فقل لهم من كان يريد أن يسأل عن القرآن وحروفه فليدخل ، فخرجت فأذنتهم فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة فما سألوه عن شيء إلّا أخبرهم عنه وزادهم ، ثم قال إخوانكم فخرجوا ، ثم قال : اخرج فقل من أراد أن يسأل عن تفسير القرآن وتأويله فليدخل . قال : فخرجت فأذنتهم فدخلوا ، حتى ملأوا البيت والحجرة فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم ، ثم قال إخوانكم فخرجوا ، ثم قال : اخرج فقل من أراد أن يسأل عن الحلال والحرام والفقه فليدخل ، فقلت لهم فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم وزادهم ، ثم قال : إخوانكم فخرجوا ثم قال : اخرج فقل لهم من أراد أن يسأل عن الفرائض وما أشبهها فليدخل ، فخرجت فأذنتهم فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم ، ثم قال :
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 153 | مرتضى الزبيدي