تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
وقال الشافعي رحمة اللّه عليه : من شرف العلم ان كل من نسب إليه ولو في شيء حقير فرح ، ومن رفع عنه حزن . وقال عمر رضي اللّه عنه : يا أيها الناس عليكم بالعلم فإن للّه سبحانه رداء يحبه ، فمن طلب بابا من العلم رداه اللّه عز وجل بردائه ، فإن أذنب ذنبا استعتبه ثلاث مرات لئلا يسلبه رداءه ذلك ، وإن تطاول به ذلك الذنب حتى يموت . وقال الأحنف رحمه اللّه : كاد العلماء أن يكونوا أربابا وكل عز لم يوطد بعلم فإلى ذل مصيره . وقال سالم بن أبي الجعد : اشتراني مولاي بثلاثمائة درهم وأعتقني ، فقلت : بأي شيء احترف ؟ فاحترفت بالعلم ، فما تمت لي سنة حتى أتاني أمير المدينة زائرا فلم آذن
شرح
تمنع اطلاق حكيم عليه سبحانه وتعالى . قال : فلم يجد جوابا . ( ومن عرف بالحكمة ) في القول والعمل ( لاحظته العيون بالوقار ) أي الهيبة والتعظيم . ( وقال الشافعي ) فيما روى عنه بإسناد حسن ( من شرف العلم أن كل من نسب إليه ولو في شيء حقير فرح ) لاتصافه بما يتميز به عن غيره ، ( ومن دفع عنه ) بجهل أو نسيان ( حزن . وقال ) أمير المؤمنين ( عمر ) ابن الخطاب العدوي القرشي ( رضي اللّه عنه ) فيما رواه الإسماعيلي والذهبي في مناقبه : ( أيا الناس عليكم بالعلم ) أي الاشتغال بطلبه ( فإن للّه سبحانه رداء يحبه ) الرداء كالكساء ما يتردى به الإنسان ( فمن طلب بابا من ) أبواب ( العلم ) بإخلاص نيته ( رداه اللّه عز وجل بردائه ) ذلك أي كساه به ( فإن أذنب ذنبا استعتبه ) أي طلب رجوعه إليه واستقالته . ومنه الحديث ولك العتبى حتى ترضى ( وإن تطاول به ذلك الذنب حتى يموت ) هذا من شرف العلم وبركته . هكذا في سائر النسخ ، والذي في المفتاح لابن القيم استعتبه لئلا يسلبه رداءه حتى يموت به . قال : واستعتاب اللّه عبده أن يطلب منه أن يعتبه أي يزيل عتبه عليه بالتوبة والاستغفار والإنابة ، فإذا أناب إليه رفع عنه عتبه فيكون قد أعتب ربه . أي : أزال عتبه عنه ، والرب تعالى قد استعتبه أي طلب منه أن يعتبه . ( وقال ) أبو بحر ( الأحنف ) ابن قيس بن معاوية التميمي الغبري من العلماء الإجلاء . قيل : اسمه صخر ، والأحنف لقب له . وقيل : اسمه الضحاك وبه جزم الحافظ ابن حجر ولد في عهده صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يدركه . ( كاد العلماء أن يكونوا أربابا ) أي ملوكا وسادات لكثرة ما يخضع لهم وينقاد إلى أوامرهم ، كقولهم : كاد العروس أن يكون سلطانا ( وكل عز لم يؤكد بعلم فإلى ذل مصيره ) أي مرجعه ومآله . ( وقال سالم ابن أبي الجعد ) الأشجعي . مولاهم الكوفي من كبار التابعين روى عن عمر وعائشة وهو مرسل ، وله حديث واحد في الصحيحين عن أنس ، وروى أيضا عن ابن عمر ، وابن عباس ، وعنه الأعمش ، وابن منصور توفي سنة مائة وهو ثقة . ( اشتراني مولاي ) من بني أشجع ( بثلاثمائة درهم وأعتقني فقلت ) في نفسي ( بأي حرفة أحترف ) أشتغل . ( فاحترفت بالعلم ) واشتغلت به في تحصيله ( فما تمت لي سنة ) واحدة ( حتى أتاني أمير المدينة ) أي حافظها ومالكها . وفي نسخة أمير بالراء ( زائرا ) فاستأذن في الدخول عليّ ( فلم آذن له ) . وهذا الهدهد مع حقارته أجاب سيدنا سليمان عليه السلام مع علو رتبته بصولة العلم بقوله :( أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ )[ النمل : 22 ] غير
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 140 | مرتضى الزبيدي