تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
( حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً )
[ البقرة : 201 ] إن الحسنة في الدنيا هي العلم والعبادة ، وفي الآخرة هي الجنة . وقيل لبعض الحكماء : أي الأشياء تقتني ؟ قال : الأشياء التي إذا غرقت سفينتك سبحت معك ، يعني العلم . وقيل : أراد بغرق السفينة هلاك بدنه بالموت ، وقال بعضهم : من اتخذ الحكمة لجاما اتخذه الناس إماما ، ومن عرف بالحكمة لاحظته العيون بالوقار .
شرح
نبهوا على ذلك في أقاويلهم ، فمن ذلك ما أورده صاحب القوت ، عن وهب بن منبه : مجلس يتنازع فيه العلم أحب إليّ من قدره صلاة ، لعل أحدهم يسمع الكلمة فينتفع بها السنة أو ما بقي من عمره . ( وقال الحسن ) البصري ( في ) تفسير ( قوله تعالى : ربنا آتنا في الدنيا حسنة ) قال : ( هي العلم والعبادة ) أي العمل بما علم ( وفي الآخرة حسنة ) قال : ( هي الجنة ) قال الراغب ، والسمين : الحسنة يعبر بها عن كل ما يسر من نعمة تنال الإنسان في نفسه وبدنه وأحواله ، والسيئة تضادها وهما من الألفاظ المشتركة تفسر في كل موضع ما يليق به ، والحسنة إن كانت اسما يستعمل في الأعيان والأحداث ، فلو صارت وصفا فالمتعارف أنها في الاحداث اه . وإنما سمي العلم المقرون بالعبادة حسنة لأنه يبهج صاحبه ويرغب فيه ومن ذلك يفسرها بالجنة أيضا . وقال غير الحسن : المراد بالحسنة في الموضعين النعمة والخصب . ( قيل لبعض العلماء : أي الأشياء تقتني ) أي تحفظ وتدخر وتضن بها . ( قال : الأشياء الذي إذا غرقت سفينتك ) في البحر ( سبحت معك ) أي عامت وسلمت من الغرق ( يعني العلم ) وكونه محفوظا في الصدور والأذهان ، ومن كان علمه من كتابه ربما غرق مع السفينة ، ومن هنا قالوا : العلم ما دخل معك في الحمام . ويحكى عن بعض العلماء أنه ركب مع تجار في المركب فانكسرت بهم السفينة ، فأصبحوا بعد عز الغنى في ذل الفقر ، ووصل العالم إلى البلد فأكرم وقصد بأنواع التحف والكرامات ، فلما أرادوا الرجوع إلى بلدهم قالوا : هل لك إلى قومك كتاب أو حاجة ؟ قال : نعم تقولون لهم إذا اتخذتم مالا فاتخذوا مالا لا يغرق إذا انكسرت السفينة . ( وقيل : أراد بغرق السفينة هلاك بدنه بالموت ) أي : ذكر السفينة كناية عن جسمه ، والموت كناية عن الغرق في البحر ، فإذا عرض به عارض الموت بقي علمه حيا إلى يوم القيامة . ( و ) ذكر ابن الأثير في النهاية أن الحكمة مأخوذة من الحكمة محركة وهي الحديدة التي في فم الدابة المركوبة بها يحكم راكبها أمرها ، ومن هنا قال بعضهم : ( من اتخذ الحكمة لجاما اتخذه الناس إماما ) نقله النعماني في شرح البخاري ، وفي طبقات ابن السبكي في ترجمة أبي الحسن الأشعري دخل رجل على الجبائي فقال له : هل يجوز أن يسمى اللّه تعالى عاقلا ؟ فقال الجبائي : لا لأن العقل مشتق من العقال وهو المانع ، والمنع في حق اللّه محال فامتنع الاطلاق . قال الشيخ أبو الحسن : فقلت له فعلى قياسك لا يسمى اللّه تعالى حكيما لأن هذا الوصف مشتق من حكمة اللجام وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج ويشهد لذلك قول حسان :فنحكم بالقوافي من هجانا * ونضرب حين تختلط الدماءأي نمنع بالقوافي من هجانا ، فإذا كان اللفظ مشتقا من المنع ، والمنع على اللّه محال لزمك أن
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 139 | مرتضى الزبيدي