تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
وظهرت له الحقائق ، وصار ما كنّا نظن به ناموسا وتخلقّا طبعا وتحققا وإن ذلك أثر السعادة المقدرة له من اللّه تعالى ، ثم سألناه عن كيفية رغبته في الخروج من بيته والرجوع إلى ما دعي إليه من أمر نيسابور فقال معتذرا عنه : ما كنت أجوز في ديني أن أقف عن الدعوة ومنفعة الطالبين بالأفادة ، وقد حق عليّ أن أبوح بالحق وانطق به وادعو إليه ، وكان صادقا في ذلك ، ثم ترك ذلك وعاد إلى بيته فاتخذ في جواره مدرسة لطلبة العلم وخانقاه للصوفية ، وكان قد وزع أوقاته على وظائف الحاضرين من ختم القرآن ، ومجالسة أهل القلوب ، والقعود للتدريس بحيث لا تخلو لحظة من لحظاته ولحظات من معه عن فائدة ، وممّا وجد بخط الزاهد قطب الدين محمد بن الإردبيلي قال : قال حجة الإسلام : كنت في بداية أمري منكرا لأحوال الصالحين ، ومقامات العارفين ، حتى صحبت شيخي يوسف النساج بطوس ، فلم يزل يصقلني بالمجاهدة حتى حظيت بالواردات فرأيت اللّه في المنام فقال لي : يا أبا حامد : قلت : أو الشيطان يكلمني ؟ قال : لا . بل أنا اللّه المحيط بجهاتك الست ، ثم قال يا أبا حامد : ذر مساطرك واصحب أقواما جعلتهم في أرضي محل نظري وهم الذين باعوا الدارين بحبّي ، فقلت : بعزتك إلا أذقتني برد حسن الظن بهم ، فقال : قد فعلت والقاطع بينك وبينهم تشاغلك بحب الدنيا فأخرج منها مختارا قبل أن تخرج منها صاغرا ، فقد أفضت عليك أنوارا من جوار قدسي ففز ونل ، فاستيقظت فرحا مسرورا وجئت إلى شيخي يوسف النساج فقصصت عليه المنام فتبسم ، فقال يا أبا حامد هذه ألواحنا في البداية محوناها بأرجلنا ، بل إن صحبتني سيكحل بصر بصيرتك بإثمد التأييد حتى ترى العرش ومن حوله ، ثم لا ترضى بذلك حتى تشاهد ما لا تدركه الأبصار ، فتصفو من كدر طبيعتك ، وترقى على طور عقلك ، وتسمع الخطاب من اللّه تعالى كموسى إني أنا اللّه رب العالمين . ونقل القطب سيدي عبد الوهاب الشعراني في كتابه الأجوبة المرضية عن الشيخ الأكبر ما نصه : وكان الغزالي يقول لما أردت أن انخرط في سلك القوم وأشرب من شرابهم نظرت إلى نفسي فرأيت كثرة حجبها ، ولم يكن له شيخ إذ ذاك فدخلت الخلوة واشتغلت بالرياضة والمجاهدة أربعين يوما ، فانقدح لي من العلم ما لم يكن عندي أصفي وأرق مما كنت أعرفه ، فنظرت فيه فإذا فيه قوة فقهية فرجعت إلى الخلوة واشتغلت بالرياضة والمجاهدة أربعين يوما ، فانقدح لي علم آخر أرق وأصفى مما حصل عندي أولا ففرحت به ، ثم نظرت فيه فإذا فيه قوة نظرية فرجعت إلى الخلوة ثالثا أربعين يوما فانقدح لي علم آخر هو أرق وأصفى ، فنظرت فيه فإذا فيه قوة ممزوجة بعلم علم ولم ألحق بأهل العلوم اللدنية ، فعلمت أن الكتابة على المحو ليست كالكتابة على الصفاء الأول والطهارة الأولى ، ولم أتميز عن النظار إلا ببعض أمور ، ثم قال الشيخ الأكبر : رحم اللّه أبا حامد ما كان أكثر إنصافه وتحرزه من الدعوى اه .

الفصل الخامس في ثناء الأكابر عليه من مشايخه وممن عاصره وممن أتى بعده

قال ابن السبكي : حكي عن الشيخ العارف أبي الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه ، وكان سيد عصره ولسان وقته وبركة زمانه أنه رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في النوم وقد باهى عليه الصلاة والسلام