تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣
موسى وعيسى عليهما السلام بالإمام الغزالي ، وقال : أفي أمتكما حبر مثل هذا ؟ قالا : لا . وسئل السيد العارف باللّه سيد وقته أيضا أبو العباس المرسي عن الغزالي فقال : أنا أشهد له بالصديقية العظمى ، ونقل المناوي في طبقاته عن القطب اليافعي عن بعض العلماء الجامعين بين علم الظاهر والباطن أنه قال : لو كان نبي بعد النبي لكان الغزالي ، وشهد له القطب سيدي محيي الدين بن عربي ، وناهيك به أنه من رؤساء الطريقة وساداتهم ، ونقل عنه أنه كان يرى المناسبة ويقول بها ، فرأى في بيت المقدس حمامة وغرابا لصق أحدهما بالآخر وأنس به ولم يستوحش منه فقال : اجتماعهما لمناسبة فأشار إليهما بيده فدرجا فإذا بكل منهما عرج قال : والمناسبة في مساق الأشياء صحيحة ومعرفتها من مقامات خواص أهل الطريقة وهي غامضة موجودة في كل شيء حتى بين الاسم والمسمى . قال : والقائلون بها من طريقتنا عظماء أهل المراقبة والأدب ، ولا تكون إلا بعد كشف علمي ومشهد ملكوتي . ويروى عن بعضهم قال : الأقطاب ثلاثة . قطب العلوم كحجة الإسلام الغزالي ، وقطب الأحوال كأبي يزيد البسطامي ، وقطب المقامات كعبد القادر الجيلاني . نقلته من كتاب القصد والسداد في مناقب القطب السيد عبد اللّه باحداد ، وفيه أيضا من كلمات المترجم قدس سره هذا الثوب نسجه الغزالي ، وقصره عبد القادر الجيلاني . أو قال الشعراني أو هما ، ونحن خيطناه ونقشناه وأين من يلبسه ؟ قال : ففيه إشارة إلى أن الغزالي والشعراني قد بلغا في العلوم اللدنية المبلغ الذي فاقا به الكل . وقال السبكي في جواب كتاب أبي العفيف المطري وقد سأله عن الغزالي ما نصه : وما ذا يقول الإنسان وفضله واسمه قد طبق الأرض ، ومن خبر كلامه عرف أنه فوق اسمه . وقال محمد بن يحيى النيسابوري تلميذ الغزالي : لا يعرف الغزالي وفضله إلا من بلغ أو كاد أن يبلغ الكمال في عقله . قال ابن السبكي : يعجبني هذا الكلام فإن الذي يجب أن يطلع على منزلة من هو أعلى منه في العقل يحتاج إلى العقل والفهم ، فبالعقل يميز وبالفهم يقضي ، ولما كان علم الغزالي في الغاية القصوى احتاج من يريد الاطلاع على مقداره أن يكون هو تام العقل . وأقول : لا بدّ مع تمام العقل من مداناة مرتبتة في العلم لمرتبة الآخر ، وحينئذ فلا يعرف أحد ممن جاء بعد الغزالي قدر الغزالي إلا بمقدار علم الغزالي إذ لم يجئ بعده مثله ، ثم المداني له إنما يعرف قدره بقدر ما عنده لا بقدر الغزالي نفسه . سمعت الشيخ الإمام الوالد يقول : لا يعرف قدر الشخص في العلم إلا من ساواه في رتبته وخالطه مع ذلك ، قال : وإنما يعرف قدره بمقدار ما أوتيه هو ، وكان يقول لنا : لا أحد من الأصحاب يعرف قدر الشافعي كما يعرفه المزني قال : وإنما يعرف المزني من قدر الشافعي بمقدار قوى المزني والزائد عليها من قوى الشافعي لم يدركه المزني ، وكان يقول أيضا : لا يقدر أحد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حق قدره إلا اللّه تعالى ، وإنما يعرف كل واحد من مقداره بمقدار ما عنده هو . قال : فأعرف الأمة بقدره صلّى اللّه عليه وسلّم أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه لأنه أفضل الأمة . قال : وإنما يعرف أبو بكر من مقدار المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم ما تصل إليه قوى أبي بكر ، وثمّ أمور تقصر عنها قواه لم يحط بها علم ومحيط بها علم اللّه وهو كلام نفيس ، وقد قدمنا كلام شيخه إمام الحرمين فيه ، وناهيك به جلالة وقدرا أن الغزالي بحر مغرق . وقال الحافظ أبو طاهر السلفي : سمعت الفقهاء يقولون كان الجويني يعني إمام الحرمين يقول في تلامذته إذا ناظروا التحقيق للخوافي والحربيات للغزالي والبيان للكيا .