تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 11

مساهمون:

ص١١
فكان ذلك سببا لتركه علائق الدنيا . وذكر عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي خطيب نيسابور في ترجمته بعد أن وصفه قال : وسلك طريق الزهد والتأله ، وترك الحشمة وطرح ما نال من الدرجة والاشتغال بأسباب التقوى ، وزاد الآخرة وقصد حج بيت اللّه الحرام ، ثم دخل الشام وأقام في تلك الديار قريبا من عشر سنين يطوف ويزور المشاهد ، وأخذ في التصانيف المشهورة التي لم يسبق إليها مثل : إحياء علوم الدين ، والكتب المختصرة منها : مثل الأربعين وغيرها من الرسائل التي من تأملها علم محل الرجل من فنون العلم ، وأخذ في مجاهدة النفس وتغيير الأخلاق وتحسين الشمائل وتهذيب المعاش والتزيي بزي الصالحين وقصر الأمل ، ووقف الأوقات على هداية الخلق ودعائهم إلى ما يعنيهم من أمر الآخرة وتبغيض الدنيا ، والاستعداد للرحيل إلى الدار الباقية ، والانقياد لكل من يتوسم فيه أو يشم منه رائحة المعرفة ، أو التيقظ بشيء من أنوار المشاهدة ، حتى مرن على ذلك ولان ، ثم عاد إلى وطنه لازما بيته مشتغلا بالتفكر ملازما للوقت مقصودا وذخرا لكل من يقصده ويدخل عليه ، إلى أن أتى على ذلك مدة ، وظهرت التصانيف وفشت الكتب ولم تبد في أيامه مناقضة لما كان فيه ولا اعتراض لأحد على مآثره حتى انتهت نوبة الوزارة إلى فخر الملك جمال الشهداء تغمده اللّه برحمته ، وتزينت خراسان بحشمته ودولته . وقد سمع وتحقق بمكان الغزالي ودرجته وكمال فضله وحالته وصفاء عقيدته ونقاء سريرته فتبرك به وحضره وسمع كلامه فاستدعى منه أن لا يبقي أنفاسه وفوائده عقيمة لا استفادة منها ولا اقتباس من أنوارها ، وألح عليه كل الإلحاح وتشدد في الاقتراح إلى أن أجاب إلى الخروج ، وحمل إلى نيسابور وأشير عليه بالتدريس في المدرسة الميمونة النظامية ، فلم يجد بدا من الأذعان للولاة ، ونوى بإظهار ما اشتغل به إفادة القاصدين دون الرجوع إلى ما انخلع عنه ، وكم قرع عصاه بالخلاف والوقوع فيه والسعاية به والتشنيع عليه ، فما تأثر به ولا اشتغل بجواب الطاعنين ، ولقد زرته مرارا وما كنت أحدس في نفسي ما عهدته في سالف الزمان عليه من الذعارة وايحاش الناس والنظر إليهم بعين الازدراء اغترارا بما رزق من البسطة في النطق والخاطر والعبادة وطلب الجاه والعلو في المنزلة أنه صار على الضد ، وتصفى عن تلك الكدورات . وكنت أظن أنه متلفع بجلباب التكلف ، فتحققت بعد التنقير أن الأمر على خلاف المظنون ، وإن الرجل أفاق بعد الجنون ، وحكى لنا عن كيفية أحواله من ابتداء ما ظهر له سلوك طريق التأله وغلبة الحال عليه بعد تبحره في العلوم والاستعداد الذي خصه اللّه به في تحصيل أنواع المعارف وتمكنه من البحث والنظر حتى تبرم من الاشتغال بالعلوم الغريبة عن المعاملة ، وتفكر في العاقبة وما يجدي وينفع في الآخرة فاقتدى بصحبة الفارمدي ، واستفتح منه الطريقة ، وامتثل ما كان يشير عليه من القيام بوظائف العبادات والإمعان في النوافل واستدامة الأذكار والجد والاجتهاد ، إلى أن جاز تلك العقبات وتكلف تلك المشاق وما تحصل على ما كان يطلبه من مقصوده ، ثم حكى أنه راجع العلوم ، وخاض في الفنون ، وعاود الاجتهاد في كتب العلوم الدقيقة ، حتى انفتحت له أبوابها وبقي مدة في الوقائع وتكافؤ الأدلة ، وأطراف المسائل ، ثم حكى أنه فتح عليه باب من الخوف بحيث شغله عن كل شيء وحمله على الأعراض عمّا سواه ، حتى سهل ذلك وهكذا وهكذا إلى أن ارتاض كل الرياضة
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 11 | مرتضى الزبيدي