ولقد صدق فإن غذاء القلب العلم والحكمة وبهما حياته كما أن غذاء الجسد الطعام ، ومن فقد العلم فقلبه مريض وموته لازم ، ولكنه لا يشعر به إذ حب الدنيا وشغله بها أبطل إحساسه كما أن غلبة الخوف قد تبطل ألم الجراح في الحال ، وإن كان واقعا ؛ فإذا حط الموت عنه أعباء الدنيا أحس بهلاكه وتحسر تحسرا عظيما ثم لا ينفعه ، وذلك كإحساس الآمن من خوفه والمفيق من سكره بما أصابه من الجراحات في حالة السكر أو الخوف ، فنعوذ باللّه من يوم كشف الغطاء ، فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ، وقال
شرح
منع الذكر مات كما أن الإنسان إذا منع من الطعام والشراب يموت ولو على طول ويزول عنه إحساسه ، ( ولقد صدق ) رحمه اللّه تعالى ( فإن غذاء القلب ) وشرابه ودواءه ( العلم والحكمة ) والمعارف الإلهية ( وبهما حياته ) وتوقده وذكاؤه ( كما أن غذاء الجسد ) وتقويته ( الطعام ) والشراب ، ( ومن فقد العلم ) باللّه والحكمة ( فقلبه مريض ) بأمراض الجهل ( وموته لازم ) لعدم وصول ما يلائمه ، ( ولكن لا يشعر به ) أي لا يدرك موت قلبه ( إذ شغل الدنيا وحبها ) والميل إلى ملاهيها وملاذها قد ( أبطل ) عنه ( إحساسه ) بذلك وادراكه لهذا السر العظيم .
وأخرج أبو نعيم في الحلية بسنده إلى مالك بن دينار قال : إن العبد إذا سقم لم ينجح فيه لا طعام ولا شراب ولا نوم ولا راحة ، وكذلك القلب إذا علقه حب الدنيا لم تنجح فيه الموعظة ، ( كما أن غلبة الخوف ) من شيء إذا انتهى إلى غاية ( فقد تبطل احساس ألم الجراح في الحال وإن كان واقعا ) ، ومنهم من يشتغل بالحرب فيقع عضو من أعضائه فلا يدري منه ويمضي في محاربته ولا يحس به إلا إذا رجع عن شغله ، وهذا مشاهد ، وكذلك المحب والمفكر قد يبطل إحساسهم بألم الجراحات ، فإذا صحوا وعادوا إلى حالة الاعتدال أدركوا آلامها ، وكذلك العبد ( فإذا حط الموت عنه اعناء الدنيا ) أي أحمالها الثقيلة وشواغلها ( أحس ) حينئذ ( بهلاكه ) وموت قلبه ( وتحسر تحسرا لا ينفعه ) إذ ذاك ولذا يتمنى أن يعود إلى الدنيا ، ( وذلك كإحساس الآمن من خوفه والمفيق من سكره ) فإنه ما دام في سكره لا يحس بشيء من الآلام ، فإذا أمن أو أفاق أحس ( بما أصابه من الجراحات في حالة السكر أو الخوف ، ونعوذ باللّه من فضيحة يوم كشف الغطاء ) إذ لم ينفع فيه الندم ولا التحسر وفي ذلك قيل :فحتام لا تصحو وقد قرب المدى * وحتام لا ينجاب من قلبك السّكر
بلى سوف تصحو حين ينكشف الغطا * وتذكر قولي حين لا ينفع الذكرفإذا كشف الغطاء ، وبرح الخفاء ، وبليت السرائر ، وبدت الضمائر ، وبعث ما في القبور ، وحصل ما في الصدور ، فحينئذ يكون الجهل ظلمة على الجاهلين ، والعلم حسرة على البطالين ، ( فإن ) كما روي من قول علي رضي اللّه عنه على ما حققه السخاوي في المقاصد ( الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ) أي أحسوا بما كانوا فيه ، وقد عزا الشيخ هذا القول إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في آخر الكتاب ، وتبعه على ذلك عبد الوهاب بن محمود المراغي مختصر الكتاب ولم يعرج عليه العراقي ،