وقال أبو الأسود : ليس شيء أعز من العلم الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك .
شرح
( ووزن كل امرئ ما كان يحسنه * والجاهلون لأهل العلم أعداء )
( ففز بعلم ولا تجهل مواضعه * فالناس موتى وأهل العلم أحياء )وقد أورد الشهاب أحمد بن إدريس بن الصلت القرافي المالكي هذه الأبيات في أوّل كتابه الذخيرة ، ولم يذكر البيت الأخير ، وقوله : ووزن كل امرئ هو من جملة حكمه المأثورة قيمة كل امرئ ما يحسنه ، وفي القوت : وقد روينا عن علي كرّم اللّه وجهه فذكر البيتين ، ثم قال : فمن كان عالما بعلم معلومه اللّه تعالى فمن أفضل منه وأي قيمة تعرف له إذ كل علم قيمته معلومة ووزن كل عالم علمه اه .
وقوله : الجاهلون مأخوذ من الحديث المشهور من جهل شيئا عاداه ، وقوله : فالناس موتى هو مأخوذ من الحديث الناس هلكى إلا الصالحون . وقد أخرج الخطيب في كتاب الاقتضاء مثل ذلك عن سهل التستري كما سيأتي ، وفي الرسالة القشيرية سمعت محمد بن الحسن يقول : سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول ، قال أبو زيد البسطامي : كنت اثنتي عشرة سنة حداد نفسي ، وخمس سنين مرآة قلبي ، وسنة أنظر فيما بينهما ، فعملت في قطعه اثنتي عشرة سنة ، ثم نظرت فإذا في باطني زنار فعملت في قطعه خمس سنين انظر كيف أقطع ، فنظرت إلى الخلق فرأيتهم موتى فكبرت عليهم أربع تكبيرات . قال النووي : قوله فرأيتهم موتى في غاية من النفاسة والحسن ، وقل أن يوجد في غير كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كلام يحصل معناه .
( وقال أبو الأسود ) : ظالم بن عمرو أو عمرو بن ظالم الديلي معلم الحسنين أوّل من ابتكر علم النحو ، وتولى قضاء البصرة . روى عنه ابنه حرب أخرج حديثه الأربعة توفي سنة 169 . ( ليس شيء ) في الدنيا ( أعز ) مقاما ورتبة ( من العلم ) ، وذلك لأن ( الملوك حكام على الناس ) بسياستهم الظاهرة ، ( والعلماء حكام على الملوك ) يعلمونهم بقوانين السياسة الشرعية وقد نظم ذلك بعضهم فقال :إن الأكابر يحكمون على الورى * وعلى الأكابر تحكم العلماءواعلم أن العلم حاكم على ما سواه ، ولا يحكم عليه شيء فكل شيء اختلف وجوده وعدمه وصحته وفساده ومنفعته ومضرته ورجحانه ونقصانه وكماله ونقصه ومدحه وذمه ومرتبته في الخير وجودته ورداءته وقربه وبعده إلى سائر جهات المعلومات ، فإن العلم حاكم على ذلك كله ، فإذا حكم العلم انقطع النزاع ووجب الاتباع وهو الحاكم على الممالك والسياسات والأموال والأقلام ، فملك لا يتأيد بعلم لا يقوم ، وسيف بلا علم مخراق لاعب ، وقلم بلا علم حركة عابث والعلم مسلط . حاكم على ذلك كله ، ولا يحكم شيء من ذلك على العلم ، وسيأتي من قول علي رضي اللّه عنه : العلم حاكم والمال محكوم عليه .