ولا بشجاعته ، فإن السبع أشجع منه ولا بأكله ، فإن الثور أوسع بطنا منه ولا ليجامع فإن أخس العصافير أقوى على السفاد منه ، بل لم يخلق إلا للعلم . وقال بعض العلماء :
ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم ، وأي شيء فاته من أدرك العلم . وقال عليه الصلاة والسلام : « من أوتي القرآن فرأى أن أحدا أوتي خيرا منه فقد حقر ما عظم اللّه تعالى » وقال فتح الموصلي رحمه اللّه : أليس المريض إذا منع الطعام والشراب والدواء يموت ؟ قالوا : بلى . قال : كذلك القلب إذا منع عنه الحكمة والعلم ثلاثة أيام يموت ،
شرح
ضرب به المثل في عجيب خلقه ( أقوى منه ولا ) شرفه ( بعظمه ) أي كبر جثته ، ( فإن الفيل أعظم منه ) جثة ( ولا بشجاعته ) وقوّته ( فإن الأسد ) وفي نسخة السبع ( أشجع منه ) وأقوى ( ولا ) شرفه ( ليأكل ) كثيرا ( فإن الثور أوسع منه بطنا ) وأكثر أكلا وكذلك الفيل أيضا ( ولا ) شرفه ( ليجامع ) النساء ( فإن أخس العصافير ) وهي الدورية ( أقوى على السفاد منه ) وهي جماع الطيور خاصة ( بل لم يخلق إلا للعلم ) باللّه ومعرفته وتوحيده لقوله تعالى :( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )[ الذاريات : 56 ] فبهذه الخاصية الخاصة يتميز عن غيره من البهائم ، فإذا عدم العلم بقي معه القدر المشترك بينه وبين سائر الدواب وهي الحيوانية المحضة فلا يبقى فيه فضل عليهم ، بل قد يبقى شرا منهم ، كما قال تعالى في هذا الصنف من الناس( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ )[ الأنفال : 22 ] فهؤلاء هم الجهال الذين لم يحصل لهم حقيقة الإنسانية التي يتميز بها صاحبها عن سائر الحيوان . ( وقال بعض العلماء ) وفي نسخة الحكماء :
( ليت شعري ) أي علمي ( أي شيء ) وفي نسخة خير ( أدرك من فاته العلم ) لأن العلم هو مصدر الخيور كلها ، فمن فاته لم يدرك شيئا من الخير ، وكان المراد هنا بالعلم التفقه في الدين ، وإليه يشير الحديث : « من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين ويلهمه رشده » كما سبق . ( وقال ) أبو محمد ( فتح ) بن سعيد ( الموصلي ) أحد الصوفية والزهاد صاحب الجد والاجتهاد من أقران بشر الحافي والسري السقطي ، وكان كبير الشأن في الورع والمعاملات ، وسأل رجل المعافى بن عمران : هل كان لفتح الموصلي كبير محل ؟ فقال : كفاك بعلمه تركه للدنيا . ترجم له الشعراني زاد المناوي أنه توفي سنة 130 . ( أليس المريض إذا منع الطعام والشراب والدواء يموت ؟
قالوا : نعم ) . وعند ابن القيم قالوا : بلى ، وذلك لأن حكمة اللّه تعالى اقتضت بملاءمة الأدوية للأمراض بحسب طبائعها ، فإذا منع منه ذلك الدواء الملائم لمرضه ، فإنه يكون سببا لازدياد المرض وازهاق الروح ، وأما الطعام والشراب فمن اللوازم للمريض وغيره ، ولكن معاهدته بهما أكثر اقتضاء ، فإن الصحيح ربما يصبر عنهما بالرياضة مثلا ( قال : كذلك القلب ) فإنه كالمريض ودواؤه العلم والحكمة والمعارف الإلهية ( إذا منع عنه ) ذلك الدواء الذي هو ( الحكمة والعلم ثلاثة أيام ) فإنه ( يموت ) والذي في طبقات الشعراني في ترجمته ، وكان يقول : القلب إذا