شرح
علمه للناس وأنفق منه تفجرت ينابيعه وازداد كثرة وقوة ويقينا وظهورا ، فيكسب بتعليمه حفظ ما علمه ويحصل له علم ما لم يكن عنده ، وربما تكون المسألة في نفسه غير مكشوفة ، فإذا تكلم بها وعلمها اتضحت له وأضاءت وانفتح له منها علوم أخر ، ثم قال : ولزكاء العلم طريقان ، أحدهما :
تعليمه ، والثاني العمل به ، فإن العمل به أيضا ينميه ويكثره ، وقوله : والمال تنقصه النفقة لا ينافي قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما نقصت صدقة من مال » فإن المال إذا تصدقت منه وأنفقت ذهب ذلك القدر وخلفه غيره ، وأما العلم فكالمقتبس من النار لو اقتبس منها العالم لم يذهب منها شيء بل يزيد ، ثم قال : وفضل العلم على المال يعرف بوجوه سوى الأوجه الثلاثة التي ذكرها أمير المؤمنين .
أحدها : إن العلم ميراث الأنبياء والمال ميراث الملوك والأغنياء .
الثاني : إن صاحب المال إذا مات فارقه ماله والعلم يدخل مع صاحبه قبره .
الثالث : إن المال يحصل للمؤمن والكافر والبر والفاجر ، والعلم النافع لا يحصل إلا للمؤمن .
الرابع : إن العالم يحتاج إليه الملوك فمن دونهم وصاحب المال إنما يحتاج إليه أهل العدم والفاقة .
الخامس : النفس تشرف وتزكو بجمع العلم وتحصيله ، وذلك من كمالها وشرفها ، والمال لا يزكيها ولا يكملها ولا يزيدها صفة كمال ، بل النفس تنقص وتشح وتبخل بجمعه والحرص عليه فحرصها على العلم عين كمالها وحرصها على المال عين نقصها .
السادس : المال يدعوها إلى الطغيان ، والفخر والعلم يدعوها إلى التواضع .
السابع : إن غنى العلم أجل من غنى المال ، فإن المال لو ذهب في ليلة أصبح صاحبه فقيرا معدما ، وغنى العلم لا يخشى عليه الفقر بل هو في زيادة أبدا فهو الغنى العالي حقيقة كما قيل :غنيت بلا مال عن الناس كلهم * فإن الغنى العالي عن الشيء لا بهالثامن : ان المال يستعبد صاحبه ومحبه فيجعله عبدا ، والعلم يستعبده لربه فهو لا يدعوه إلا إلى عبودية اللّه وحده .
التاسع : إن حب العلم وطلبه أصل كل طاعة ، وحب المال وطلبه أصل كل سيئة .
العاشر : قيمة الغني ماله ، وقيمة العالم علمه فهذا متقوّم بماله ، فإذا عدم ماله عدمت قيمته ، والعالم لا تزول قيمته بل هي في تضاعيف دائما .
الحادي عشر : إن جوهر المال من جنس جوهر البدن ، وجوهر العلم من جنس جوهر الروح ، والفرق بينهما كالفرق بين الروح والجسد .
الثاني عشر : إن العالم إذا عرض عليه بحظه من العلم الدنيا بما فيها لم يرضها عوضا عن علمه ، ولعل العاقل إذا رأى شرف العالم وكماله به يودّ لو أن له علمه بغناه أجمع .