تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
شرح
الثالث عشر : إن العالم يدعو الناس إلى اللّه بعلمه وحاله وجامع المال يدعوهم إلى الدنيا بحاله وقاله . الرابع عشر : إن غنى المال قد يكون سبب هلاك صاحبه ، فإنه معشوق النفوس ، فإذا رأت من يستأثر بمعشوقها عليها سعت في هلاكه ، وأما غني العلم فسبب حياة الرجل وحياة غيره والناس إذا رأوا من يستأثر عليهم به أحبوه وخدموه . الخامس عشر : إن اللذة الحاصلة من غنى المال إن التذ صاحبه بنفس جمعه فوهمية ، وأما بإنفاقه في شهواته فبهيمية ، وأما لذة العلم فعقلية وفرق بينهما . السادس عشر : إن المال إنما يمدح صاحبه بتخليه عنه ، والعلم إنما يمدح بتحليه به . السابع عشر : إن طلب الكمال بفناء المال كالجامع بين الضدين ، وبيانه أن القدرة صفة كمال ، وصفة الكمال محبوبة بالذات والاستغناء عن الغير أيضا صفة كمال محبوبة بالذات ، فإذا مال الرجل بطبعه إلى السخاء فهذا كمال مطلوب للعقلاء محبوب للنفوس ، وإذا التفت إلى أن ذلك يقتضي خروج المال من يده ، وذلك يوجب نقصه واحتياجه إلى الغير وزوال قدرته نفرت نفسه عن فعل المكرمات وظن أن إمساكه في المال كماله ، فلأجل ميل الطبع إلى المدح يحب الجود ، ولأجل فوت القدرة بسبب إخراجه يحب إبقاء ماله فبقي القلب في مقام المعارضة بينهما ، فمنهم من يترجح عنده جانب البذل ، ومنهم من يؤثر الإمساك ، ومنهم من بلغ به الجهل إلى الجمع بين الوجهين فيعد بالجود رجاء المدح ، وعند حضوره لا يفي فيقع في أنواع الفضائح ، وإذا تأملت أحوال الأغنياء تراهم يشكون ويبكون ، وأما غني العلم فلا يعرض له شيء من ذلك وتعب جمعه أقل من تعب جمع المال . الثامن عشر : إن اللذة الحاصلة من المال إنما هي حال تجدده فقط ، وأما حال دوامه فإما أن تذهب أو تنقص لمحاولته تحصيل الزيادة دائما ، فهو في فقر مستمر لبقاء حرصه بخلاف غنى العلم ، فإن لذته في حال بقائه مثلها في حال يحدده بل أزيد . التاسع عشر : إن غنى المال يستدعي الإحسان إلى الناس ، فصاحبه إن سد على نفسه هذا الباب مقتوه فيتألم قلبه ، وأن فتحه فلا بد من الميل إلى بعض وإمساك عن بعض ، وهذا يفتح عليه باب العداوة والمذلة من المحروم والمرحوم ، فالمحروم يقول كيف جاد على غيري ، والمرحوم دائما يستشرف لنظيره على الدوام ، وهذا قد يتعذر غالبا فيفضي إلى ما ذكرنا ، ولذا قيل : اتّق شر من أحسنت إليه ، وصاحب العلم يمكنه بذله للكل من غير نقص فيه . العشرون : إن غني المال يبغض الموت للتمتع بماله ، وأما العلم فإنه يحبب للعبد لقاء ربه ويزهده في هذه الدنيا . الحادي والعشرون : إن الأغنياء يموتون فيموت ذكرهم ، والعلماء بخلاف ذلك كما قال على