تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
( وأما الآثار ) : قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه لكميل : يا كميل العلم خير من المال ، العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، والعلم حاكم والمال محكوم عليه ، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالانفاق .
شرح
لكم إشارة إلى أن مآل العالم باللّه العامل للّه الغفران ، وهذا ختام حسن نسأل اللّه حسن الخاتمة . والوارد في فضل العلم والعلماء أحاديث كثيرة ، ولو تتبعنا ذكرها لطال علينا الكتاب ، ولكن اقتصرنا على تبيين ما ذكره الشيخ رحمه اللّه تعالى ، واللّه أعلم . ( وأما الآثار ) : جمع أثر تقدّم تعريفه ، وكذا الفرق بينه وبين الخبر في أول الكتاب أورد فيها رحمه اللّه تعالى أقوال بعض الصحابة كعلي ، وابن عباس ، وابن مسعود ، وعمر بن الخطاب رضي اللّه عنهم ، وبعض التابعين كأبي الأسود ، والحسن ، والأحنف ، والزهري ، ومن بعدهم كابن المبارك ، والشافعي ، والزبير بن أبي بكر رحمهم اللّه تعالى ، ومن بعدهم من أهل الصلاح كفتح الموصلي وغيره من الحكماء . ( قال ) أبو الحسن أمير المؤمنين ( علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ) لتلميذه ( يا كميل ) بالتصغير هو كميل بن زياد النخعي من مشاهير أصحاب علي رضي اللّه عنه ، وكان من أعيان الزهاد ، وللسادات الصوفية سند في لبس الخرقة إليه ، أخرج أبو نعيم في الحلية من طريق عاصم بن حميد الحناط ، حدثنا ثابت بن أبي صفية أبو حمزة الثمالي ، عن عبد الرحمن بن جندب ، عن كميل بن زياد قال : أخذ علي بن أبي طالب بيدي فأخرجني إلى ناحية الحيان ، فلما أصحرنا جلس ثم تنفس ، ثم قال : يا كميل بن زياد : القلوب أوعية فخيرها أوعاها فساق الحديث بطوله ، وفيه : ( العلم خير من المال ) أشار إلى فضل العلم ، ثم ذكر سببه فقال : ( العلم يحرسك وأنت تحرس المال ) قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة في شرح هذا الحديث : يعني أن العلم يحفظ صاحبه ويحميه من موارد الهلكة ومواقع العطب ، فإن الإنسان لا يلقي نفسه في عطب وعقله معه ، ولا يعرضها للهلاك إلا إذا كان جاهلا بذلك لا علم له به ، فهو كمن أكل طعاما مسموما ، فالعالم بالسم وضرره يحرسه علمه ويمتنع به من أكله ، والجاهل به يقتله جهله ، فهذا مثل حراسة العلم للعالم ، وكذا الطبيب الحاذق يمتنع بعلمه عن كثير ما يجلب له الأمراض ، وكذا العالم بمخاوف طريق سلكه يأخذ حذره منها فيحرسه علمه من الهلاك ، وهكذا العالم باللّه وبأمره وبعدوّه ومكائده يحرسه علمه من وساوس الشيطان وخطراته فعلمه يحرسه منه ، وكلما جاء ليأخذه صاح به حرس العلم والإيمان فيرجع خائبا ، فهذا السبب الذي من العبد واللّه وراء حراسته ، فمتى وكله إلى نفسه طرفة عين تخطفه عدوّه وهذا هو التوفيق اه . ( والعلم حاكم والمال محكوم عليه ) ، وهذا هو الوجه الثاني لفضل العلم ، والمراد بالعلم هنا علم الباطن ، ففي القوت علم الظاهر حكم وعلم الباطن حاكم ، والحكم موقوف حتى يجيء الحاكم يحكم فيه ، وهذه الجملة في الحديث ليست في سياق الحلية ، ولا في كتاب ابن القيم موجودة في سياق القوت ، ثم قال رضي اللّه عنه : ( والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالانفاق ) . هكذا نص القوت ، وفي الحلية العلم يزكو على العمل والمال تنقصه النفقة . قال ابن القيم في كتابه المذكور : العالم كلما بذل