تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « خير دينكم أيسره وأفضل العبادة الفقه » .
شرح
نادرا أو نحو ذلك ، وذهب بعض الصوفية إلى أن المراد بالفقه هنا المعنى اللغوي فقال : هو الفهم وانكشاف الأمور ، والفهم هو العارض الذي يعترض في القلب من النور ، فإذا عرض انفتح بصر القلب فرأى صورة الشيء في صدره حسنا كان أو قبيحا ، فالانفتاح هو الفقه والعارض هو الفهم ، فإذا فهم سر معاملات اللّه هانت عليه الكلف وعبد اللّه بانشراح وانبساط ، وذلك أفضل العبادات بلا ريب . وقال في شرح الحديث الثاني : فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد أي لأن الشيطان كلما فتح بابا على الناس من الهوى بيّن الفقيه العارف مكائده ، فيسد ذلك الباب ويرده خاسئا ، والعابد ربما اشتغل بالعبادة وهو في حبائل الشيطان ولا يدري ، وقال الذهبي : هذا الحديث لو صح نص في الفقيه الذي تبصر في العلم ، ورقي إلى درجة الاجتهاد ، وعمل بعلمه لا كفقيه اشتغل بمحض الدنيا . الثالث والعشرون : ( وقال صلّى اللّه عليه وسلّم خير دينكم أيسره وأفضل العبادة الفقه ) . أخرجه ابن عبد البر من حديث أنس بسند ضعيف ، والشطر الأول عند أحمد من حديث محجن بن الأدرع بإسناد جيد ، والشطر الثاني عند الطبراني من حديث ابن عمر بسند ضعيف قاله العراقي . قلت : أما حديث محجن فقد أخرجه أبو داود والطيالسي في مسنده فقال : حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن رجاء ، عن محجن قال : أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيدي حتى انتهينا إلى سدة المسجد ، فإذا رجل يركع ويسجد ويركع ويسجد فقال لي : « من هذا » ؟ فقلت : هذا فلان وجعلت أطريه وأقول له هذا هذا ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تسمعه فتهلكه » ، ثم انطلق بي حتى بلغ باب حجرة إحدى نسائه ، ثم أرسل يده من بين يدي قال : فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « خير دينكم أيسره » قالها ثلاثا . وأخرجه مسدد في مسنده فقال : حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا يونس ، عن زياد بن مخراق ، عن رجل من أسلم قال : كان منا ثلاثة صحبوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بريدة ومحجن ومسكبة فقال محجن لبريدة : ألا تصلي كما يصلي مسكبة ؟ قال : لا لقد رأيتني ؟ أقبلت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أحد نتماشى يدي في يده فرأى رجلا يصلي فقال « أتراه جدا أتراه صادقا » فذهبت أثني عليه . قال : فلما دنونا نزع يده من يدي وقال « ويحك اسكت لا تسمعه فتهلكه إن خير دينكم أيسره » . وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده فقال : حدثنا شبابة بن سوار ، حدثنا شعبة ، عن جعفر بن اياس ، عن عبد اللّه بن شقيق ، عن رجاء بن أبي رجاء قال : دخل بريدة المسجد ومحجن على باب المسجد فقال بريدة وكان فيه مزاح : يا محجن ألا تصلي كما يصلي مسكبة ؟ فقال : نزل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أحد وهو آخذ بيدي ، فدخل المسجد فإذا رجل يصلي فقال لي « من هذا » فأثنيت عليه خيرا فقال « اسكت لا تسمعه فتهلكه » ، ثم أتى على باب حجرة امرأة من نسائه فقبض يده من يدي ثم قال « إن خير دينكم أيسره إن خير دينكم أيسره » مرتين .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 123 | مرتضى الزبيدي