شرح
قلت : ورواه مع هذه الزيادة أيضا أبو نعيم في الحلية ، عن ابن مسعود وسنده حسن ، وفي الصحيحين ومسند أحمد بعد قوله في الدين زيادة إنما أنا قاسم واللّه يعطي ، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر اللّه لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر اللّه عز وجل ، قال بعض الشراح إن لم تقل بعموم من فالأمر واضح إذ هو في قوة بعض من أريد له الخير ، وإن قلنا بعمومها يصير المعنى كل من يراد به الخير وهو مشكل بمن مات قبل البلوغ مؤمنا ونحوه ، فإنه قد أريد به الخير وليس بفقيه ويجاب بأنه عام مخصوص كما هو أكثر العمومات ، أو المراد من يرد اللّه به خيرا خاصا على حذف الصفة اه .
قال شيخ مشايخنا أبو الحسن السندي في حاشية البخاري : الوجه حمل الخير على العظيم على أن التنكير للتعظيم فلا إشكال على أنه يمكن حمل الخير على الإطلاق واعتبار تنزيل من لم يتفقه في الدين منزلة العدم بنسبته إلى الفقيه في الدين ، فيكون الكلام مبنيا على المبالغة . كان من لم يعط الفقه في الدين ما أريد به الخير ، وما ذكر من الوجوه لا يناسب المقصود ويمكن حمل من على المكلفين ، لأن كلام الشارع غالبا يتعلق ببيان أحوالهم ، فلا يرد من مات قبل البلوغ أو أسلم ومات قبل مجيء وقت الصلاة مثلا أي قبل تقرر التكليف واللّه أعلم اه .
وقال القسطلاني : قوله يفقهه أي يجعله فقيها في الدين والفقه لغة الفهم والحمل عليه هنا أولى من الاصطلاحي ليعم فهم كل علم من علوم الدين ، ومن في الحديث موصولة تضمنت معنى الشرط وخير نكرة في سياق الشرط فتصير كالنكرة في سياق النفي أي جميع الخيرات اه . وفيه أمران
الأول : ما ذكره في أن من موصولة وأنها تضمنت معنى الشرط وهو صريح في أنها عوملت معاملته في الجزم بها ، وكلام المغني صريح في خلافه حيث قال : من على أربعة أوجه شرطية واستفهامية وموصولة ونكرة موصوفة ، ثم قال : تقول من يكرمني أكرمه ، فيحتمل من الأوجه الأربعة ، فإن قدرتها شرطية جزمت الفعلين ، أو موصولة أو موصوفة رفعتهما ، أو استفهامية رفعت الأول وجزمت الثاني لأنه جواب بغير الفاء اه . والحديث محتمل الموصول والموصوف والنكرة الموصوفة أيضا فتأمل .
والثاني : أن النكرة في سياق النفي أو الشرط لا تعم بهذا الوجه . أي : بأن يراد بها جميع الأفراد مرة واحدة وإنما تعم بمعنى من يرد اللّه به خيرا أي خير كان ، كما يقال : جاءني رجل أو أحد من الرجال ، وأيضا من يرد اللّه به جميع الخيرات يفقهه في الدين ، يفيد أن حيازة جميع الخيرات لا تتم بلا فقه في الدين ، فإنه أمر ظاهر ، ولا يفيد أن الفقه في الدين لبيان كيفية إعطاء جميع الخيرات الذي يتضمنه الشرط ، والجزاء قد يقصد به ذلك فتأمل . قال ابن القيم : وهذا إذا أريد بالفقه العلم المستلزم للعمل ، وأما إن أريد به مجرد العلم فلا يدل على أن من فقه في الدين أراد به خيرا ، فإن الفقه حينئذ يكون شرطا لإرادة الخير ، وعلى الأول يكون موجبا .