[ الثالثة في اسرار ستر العورة ]
وأمّا ستر العورة ؛ فاعلم أنّ معناه : تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق ، فإنّ ظاهر بدنك موقع نظر الخلق ، فما رأيك في عورات باطنك ومقابح سرّك الّتي لا يطّلع عليها إلّا ربّك ؟ .
فاحضر « 1 » تلك المقابح ببالك ، وطالب نفسك بسترها ، وتحقّق أنّه لا يستر « 2 » عن عين اللّه تعالى ساتر ، وإنّما يسترها ويكفّرها النّدم والحياء والخوف ، فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث جنود الخوف والحياء من مكانها « 3 » ، فتذلّ به نفسك ، ويستكين « 4 » تحت الخجلة قلبك ، وتقوم بين يدي اللّه تعالى قيام العبد المجرم المسئ الآبق « 5 » الّذي ندم فرجع إلى مولاه بانكسار رأسه من الحياء والخوف .
قال الصّادق عليه السّلام : ( أزين اللّباس للمؤمنين لباس التّقوى ، وأنعمه الإيمان ، قال اللّه عزّ وجلّ :
« وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ »
« 6 » ، وأمّا اللّباس « 7 » الظّاهر ، فنعمة من اللّه تعالى يستر بها عورات بني آدم وهي كرامة أكرم اللّه بها عباده ذرّيّة آدم عليه السّلام ما لم يكرم غيرهم ، وهي للمؤمنين آلة لأداء ما افترض اللّه عليهم ، وخير لباسك ما لا يشغلك عن اللّه عزّ وجلّ ، بل يقرّبك من شكره وذكره وطاعته ، ولا يحملك فيها إلى العجب ، والرّياء ، والتّزيّن ، والمفاخرة ، والخيلاء ، فإنّها من آفات الدّين ، ومورثة القسوة في القلب ، فإذا لبست ثوبك ، فاذكر ستر اللّه تعالى عليك ذنوبك برحمته ، وألبس باطنك بالصّدق كما ألبست ظاهرك بثوبك ،
هامش
( 1 ) « م » « ب » : فاخطر .
( 2 ) « ب » : يستتر .
( 3 ) « م » : مكانهما .
( 4 ) « ح » : تسكّن .
( 5 ) يقال : أبق العبد إباقا : إذا هرب من سيّده من غير خوف ولا كدّ عمل . مجمع البحرين 1 : 25 مادّة ( أبق ) .
( 6 ) الأعراف : 26 .
( 7 ) في المصباح : لباس .