ينفعه في الآخرة بعد ذلك .
فتراهم يحتملون كلّ هذه الخدمة لأجل تلك المنفعة الخسيسة الفانية ، ومع ذلك يعترفون للملك بالنّعمة ويقرّون له بالفضل عليهم والمنّة ، مع أنّ تلك المنفعة في الحقيقة من اللّه تعالى ، ولو أراد ملكهم أن ينبت لهم حبّة واحدة ، أو يخلق لهم خيطا واحدا لم يقدر على ذلك وهم يعترفون بذلك كلّه ، فكيف تستكثر عملك الحقير المشوب بالآفات والنّقائص لربّك الّذي خلقك ولم تك شيئا مذكورا ؟ ثم ربّاك وأنعم عليك من النّعم الظّاهرة والباطنة في نفسك ودينك ودنياك ما لا « 1 » يبلغ كنهه فهمك ولا وهمك ، كما قال اللّه تعالى :
« وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها »
« 2 » ؟ .
وقد وعدت على هذا العمل القليل مع ما فيه من المعايب والآفات بالثّواب العظيم الدّائم ، وضروب الكرامات ، استعظام ذلك من شأن العاقل !
وثانيها : أن تتفكّر في أنّ الملك الّذي من شأنه أن يخدمه الملوك والامراء إذا أذن في إدخال الهدايا إليه ، ووعد عليها بالعطاء العظيم ، وأمر أن لا يستحيي أحد بهديّته « 3 » ولو كانت طاقة بقل ، فدخلت عليه الامراء والكبراء والرؤساء والأغنياء بأنواع الهدايا من الجواهر الثّمينة « 4 » و [ الهدايا النفيسة ] « 5 » ، ثمّ جاء بقّال إليه بطاقة « 6 » بقل ، وقرويّ بسلّة عنب تساوي درهما أو حبّة ، فدخل بها إلى حضرته وزاحم بها أولئك الأكابر بهداياهم الجليلة ، فقبل الملك من الوضيع هديّته ، ونظر إليها نظر القبول ، وأمر له بأنفس خلعة وكرامة تبلغ مائة ألف دينار ، ألا يكون ذلك
هامش
( 1 ) « م » : لم .
( 2 ) إبراهيم : 34 .
( 3 ) « د » : لهديّته .
( 4 ) « م » : النّفيسة .
( 5 ) « م » : اللّئالىء الثّمينة .
( 6 ) « د » « ب » « م » : بباقة .