وقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله : ( إنّ اللّه تعالى يعطي الدّنيا بعمل الآخرة ، ولا يعطي الآخرة بعمل الدّنيا ) « 1 » .
فإذا أنت أخلصت النّيّة ، وجرّدت الهمّة للآخرة ، حصلت لك الدّنيا والآخرة جميعا ، وإن أنت أردت الدّنيا ، ذهبت عنك الآخرة في الوقت . وربّما لا تنال الدّنيا كما تريد ، وإن نلتها فلا تبقى لك ، بل تزول عنك قريبا ، فقد خسرت الدّنيا والآخرة ، وذلك هو الخسران المبين .
ونظير هذا الشّخص بالنّسبة إلى هذا المثل من يصرف جزءا من عمره ، ونفسا من أنفاسه الّذي يمكنه به تحصيل كنز من كنوز الجنان فيما يحصل به دانق ، أو حبّة ، أو درهم ، أو دينار من متاع الدّنيا ، ويترك ذلك الكنز الدّائم لغير ضرورة ، ما هذا إلّا عين الغفلة والخسران ، وخسّة الهمّة والخذلان .
وثانيها : أنّ المخلوق الّذي تعمل لأجله ، وتطلب رضاه ، لو علم أنّك تعمل لأجله ، لأبغضك وسخط « 2 » عليك ، واستهان بك ، واستخفّ بك ، مضافا إلى مقت اللّه تعالى وإهانته وخذلانه ، وما تعمله للّه خالصا يوجب رضا الفريقين ، فكيف يعمل العاقل لأجل من لو علم بأنّه « 3 » يطلب رضاه لسخط عليه وأهانه ؟ ! فانظر إن كنت تعقل .
وثالثها : إنّ من حصل له سعي يكتسب به رضا أعظم ملك في الدّنيا ، فطلب به رضا كنّاس خسيس بين النّاس وسخط ذلك الملك ، بل مع عدم سخطه ، أليس ذلك دليلا على السّفه « 4 » ، ورداءة الرّأي ، وسوء النّظر ، ويقال له : ما حاجتك إلى رضا هذا الكنّاس مع تمكّنك من رضا هذا الملك ؟ !
هامش
( 1 ) انظر : بحار الأنوار 13 : 412 فإنّ فيه ما يدلّ على هذا المعنى .
( 2 ) « د » : لسخط .
( 3 ) « م » : أنّه .
( 4 ) « م » : السّفه .