[ يستأنس بها من وحشته ] « 1 » ؛ فإن لم يكتف بذلك كلّه ، فليتأمّل ثلاثة أشياء :
أحدها : أنّه « 2 » لو قيل لك : أنّ هناك « 3 » رجلا معه جوهر نفيس يساوي مائة ألف دينار ، وهو محتاج إلى ثمنه ، بل إلى بيعه عاجلا ، وإلى أضعاف ثمنه أيضا ، فحضر من يشتري منه متاعه بأضعاف ثمنه مع حاجته إلى الأضعاف أيضا ، فأبى بيعه بذلك وباعه بفلس واحد ، أليس ذلك يكون خسرانا مبينا « 4 » ، وغبنا « 5 » فظيعا ، ودليلا بيّنا على خسّة الهمّة ، وقصور الفهم والعلم ، وضعف الرّأي ، ورقّة العقل ، بل على السّفه المحض ؟ !
وهذا بعينه أبلغ من حال المرائي في عمله ، بل في عبادة واحدة ؛ فإنّ ما يناله العبد بعمله من الخلق من مدحه ، وحطام الدّنيا بالإضافة إلى رضا ربّ العالمين ، وشكره ، وثواب الآخرة ، ونعيم الجنّة الدّائم ، المخلص من شوب الكدورات ، أقلّ من فلس في جنب ألف ألف دينار ، بل في جنب الدّنيا وما فيها وأكثر .
وهذا هو الخسران المبين أن تفوت نفسك تلك الكرامات العزيزة الشّريفة بهذه الأمور الحقيرة الدّنيّة .
ثمّ وإن كان لا بدّ لك من هذه الهمّة الخسيسة ، فاقصد أنت الآخرة تتبعك « 6 » الدّنيا ، بل اطلب الرّبّ وحده يعطك الدّارين ؛ إذ هو مالكهما جميعا ، وذلك قوله تعالى :
« مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ »
« 7 » .
هامش
( 1 ) « د » « ب » : تستأنس به روحه .
( 2 ) « م » : أن .
( 3 ) « د » : هنا .
( 4 ) « ب » « د » « م » : عظيما .
( 5 ) « ب » : عيبا .
( 6 ) « م » : ببيعك .
( 7 ) النّساء : 134 .