تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التنبيهات العَليّة على وظائف الصلاة القلبية — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وتزهيدك فيه ، فإذا تركته فقد « 1 » حصّلت غرضه ، ومثالك في ذلك مثال من سلّم إليه مولاه حنطة فيها تراب ، وقال : خلّصها من التّراب ونقّها منه تنقية بالغة ، فيترك أصل العمل ويقول : أخاف إن اشتغلت به لم يخلص خلاصا صافيا ، فيترك العمل من أصله . وهذا تمام الغرض لإبليس اللّعين ، وغاية القصد ، فقد حصّلت أمنيته ، وأرحته من التّعب بك في إفساد العمل . وإنّما سبيلك أن تجتهد في تخليص عملك بالأدوية النّافعة ، وتحصيل مراد مولاك . ومنها : أن يأمره بترك العمل أيضا لا لذلك ، بل خوفا على النّاس أن يقولوا : إنّه مراء ، فيعصون اللّه به . وهذا أيضا مع ما قبله رياء خفيّ ، من مكائد الشّيطان ، لأنّ ترك العمل خوفا من قولهم : إنّه مراء ، عين الرّياء ، ولولا حبّه لمحمدتهم « 2 » ، وخوفه من ذمّهم ، فماله ولقولهم ، قالوا : إنّه مراء ، أو قالوا : إنّه مخلص ؟ ! . وأيّ فرق بين أن يترك العمل خوفا من أن يقال : إنّه مراء ، وبين أن يحسن العمل خوفا من أن يقال : إنّه غافل مقصّر ؟ بل ترك العمل أشدّ من ذلك ، وفيه مع ذلك إساءة الظّنّ بالمسلمين ، وما كان من حقّه أن يظنّ بهم ذلك . ثمّ كيف تطمع أن تتخلّص من الشّيطان بترك العمل وقد أطعته فيه ، فإنّه لا يخليك أيضا ، بل يقول لك : الآن يقول النّاس : إنّك تركت العمل ليقال إنّك مخلص لا تشتهي الشّهرة . إلى غير ذلك من اللّعب بك . وإنّما خلاصك من ذلك كلّه أن تلزم قلبك معرفة آفات الرّياء وضرره ، لتلزم كراهته ، وتستمرّ مع ذلك على العمل ولا تبالي ، وتلزم قلبك الحياء من اللّه تعالى ؛ إذ دعتك نفسك إلى أن تستبدل بحمد اللّه تعالى حمد المخلوقين وهو مطّلع على قلبك ، ولو
هامش
( 1 ) « ح » : فإذن . ( 2 ) « م » : لمدحهم .
التنبيهات العَليّة على وظائف الصلاة القلبية — صفحة 158 | الشهيد الثاني / بصرى / صفاء الدين البصري