تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التنبيهات العَليّة على وظائف الصلاة القلبية — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
وهيهات ، بل زوال ذلك بأن لا يلتفت إلى الخلق كما لا يلتفت إلى الجمادات والبهائم في الخلاء والملأ جميعا . وهذا شخص مشغول الهمّ بالخلق في الخلاء والملأ جميعا . وهذا من المكائد الخفيّة ، وإلى هذا المعنى الإشارة في الحديث النّبويّ : ( لا يكمل إيمان العبد حتّى يكون النّاس عنده بمنزلة الأباعر ) « 1 » فتأمّل . ورابعها - وهو أدقّ وأخفى - : أن ينظر إليه النّاس وهو في صلاته ، فيعجز الشّيطان عن أن يقول له اخشع لأجلهم ، فإنّه قد عرف أنّه لا يصغي لذلك ، فيقول له الشّيطان : تفكّر في عظمة اللّه وجلاله ، ومن أنت واقف بين يديه ، واستح أن ينظر اللّه إلى قلبك وأنت غافل عنه ، فيحضر بذلك قلبه ، وتجتمع « 2 » جوارحه ، ويظنّ أنّ ذلك عين الإخلاص ، وهو عين المكر والخداع ، فإنّ خشوعه لو كان لنظره إلى جلال اللّه وعظمته ، لكانت هذه الخطرة تلازمه في الخلوة ، ولكان لا يختصّ حضورها بحالة حضور غيره . وعلامة الأمن من هذه الآفة أن يكون هذا الخاطر ممّا يألفه في الخلوة كما يألفه في الملأ ، ولا يكون حضور الغير هو السّبب في حضور الخاطر ، كما لا يكون حضور البهيمة سببا ، فما دام يفرّق في أحواله بين مشاهدة الإنسان ومشاهدة بهيمة ، فهو بعد خارج عن صفو الإخلاص ، مدلّس الباطن بالشّرك الخفيّ من الرّياء . وهذا الشّرك أخفى في قلب ابن آدم من دبيب النّملة السّوداء ، في اللّيلة الظّلماء ، على الصّخرة الصّمّاء . كما ورد به الخبر « 3 » .
هامش
( 1 ) عدّة الدّاعي : 204 واللّفظ فيه : ( يا أبا ذر ، لا يفقه الرّجل كلّ الفقه ، حتّى يرى النّاس أمثال الأباعر ؛ فلا يحفل بوجودهم ، ولا يغيّره ذلك ، كما لا يغيّره وجود بعير عنده ) . ( 2 ) « ب » : تجمع . ( 3 ) انظر : الخصال 1 : 67 بحار الأنوار 72 : 93 ، 96 .