تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التنبيهات العَليّة على وظائف الصلاة القلبية — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
وهذه المكيدة أعظم من الأولى وأدقّ ، وقد ينخدع بها من لا ينخدع بالأولى ، وهو أيضا عين الرّياء ، ومبطل الإخلاص « 1 » فإنّه إن « 2 » كان يرى الخشوع وحسن العبادة خيرا لا يرتضي لغيره تركه ، فلم يرتضي لنفسه ذلك في الخلوة ؟ ولا يمكن أن تكون نفس غيره أعزّ عليه من نفسه ! فهذا عين التّلبيس ، بل المقتدى به هو الّذي استقام في نفسه ، واستنار قلبه ، فانتشر نوره إلى غيره ، فيكون له الثّواب عليه . وأمّا فعل الأوّل ؛ فمحض النّفاق والتّلبيس ، فيطالب يوم القيامة بتلبيسه ، ويعاقب على إظهاره من نفسه ما ليس متّصفا به ، وإن أثيب المقتدي به . وثالثها - وهو أدقّ ممّا قبله - : أن يتنبّه « 3 » العبد لذلك ، وأنّه مكيدة من الشّيطان ، ويعلم أنّ مخالفته بين الخلوة والمشاهدة للغير محض الرّياء ، ويعلم أنّ الإخلاص في أن تكون صلاته في الخلوة مثل صلاته في الملأ ، ويستحيي من نفسه ومن ربّه أن يخشع لمشاهدة خلقه تخشّعا زائدا على عادته ، فيقبل على نفسه في الخلوة ، ويحسّن صلاته على الوجه الّذي يرتضيها في الملأ ، ويصلّي أيضا في الملأ كذلك للعلّة المذكورة . وهذا أيضا من الرّياء الغامض ، لأنّه حسّن صلاته في الخلوة ليحسن « 4 » في الملأ ؛ فلا يكون قد فرّق بينهما بالتّفاوت في الخلوة والملأ إلى الخلق ، بل الإخلاص أن تكون مشاهدة البهائم لصلاته ومشاهدة الخلق على وتيرة واحدة ، فكان نفس صاحب هذه الخطرة « 5 » ليست تسمح بإساءة الصّلاة بين النّاس ، ثمّ يستحيي من نفسه أن يكون في صورة المرائين ، ويظنّ بأنّ ذلك يزول بأن تستوي صلاته في الخلاء والملأ .
هامش
( 1 ) « م » : للإخلاص . ( 2 ) « ح » : إذا . ( 3 ) « ح » : ينتبه ، « م » : ينبّه . ( 4 ) « د » : لتحسن صلاته . ( 5 ) يريد بها : ما يقع في الخاطر .