فإذا أردت السّجود فاستحضر عظمة اللّه تعالى زيادة على ما حضر حالة الرّكوع ، وكبّره رافعا يديك وأنت قائم ، ثمّ ا هو إلى السّجود ، ومكّن أعزّ أعضائك وهو الوجه من أذلّ الأشياء وهو التّراب ، فإن أمكنك أن لا تجعل بينهما حائلا فتسجد على الأرض فافعل ، فإنّه أجلب للخشوع ، وأدلّ على الذّلّ والخضوع .
وهذا هو السّرّ في منع الشّريعة من السّجود على ما يأكله الآدميّون ويلبسونه ، لأنّه من متاع الدّنيا وأهلها الّذين اغترّوا بغرورها ، وركنوا إلى زخرفها ، واطمأنّوا إليها ، فأسلمتهم إلى المهالك أحوج ما كانوا إليها .
وإذا وضعت نفسك موضع الذّلّ ، فاعلم أنّك وضعتها موضعها ، ورددت الفرع إلى أصله ، فإنّك من التّراب خلقت وإليه رددت ، ثمّ تخرج منها مرّة أخرى .
فاحضر في بالك تنقّلاتك « 1 » منها وإليها ، ثمّ خروجك منها بتكرّر السّجود كما ذكره اللّه تعالى لك بقوله :
« مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى »
« 2 » .
وعند هذا جدّد على قلبك عظمة اللّه تعالى وعلوّه وقل : « سبحان ربّي الأعلى وبحمده » وأكّده بالتّكرار ، فإنّ المرّة الواحدة ضعيفة الأثر في القلب .
فإذا رقّ قلبك وظهر لك ذلك فليصدق رجاؤك في رحمة ربّك ، فإنّ رحمته تتسارع إلى الضّعف والذّلّ لا إلى التّكبّر والبطر « 3 » ، فارفع رأسك مكبّرا وسائلا حاجتك ، ومستغفرا من ذنوبك ، ثمّ أكّد التّواضع بالتّكرار ، وعد إلى السّجود ثانيا كذلك ، فبزيادته يزيد القرب ، وبتكراره تتأكّد السّوانح الإلهيّة ، وتظهر اللّوامع الغيبيّة ، إذا وقع على وجهه .
هامش
( 1 ) « ح » : نقلاتك .
( 2 ) طه : 55 .
( 3 ) البطر : سوء احتمال الغنى ، والطّغيان عند النّعمة . مجمع البحرين 1 : 211 مادة ( بطر ) .