جعل من يقصد بعبادة ربّه وجه اللّه وحمد النّاس مشركا ، فاستشعر الخجلة في قلبك إن وصفت نفسك بأنّك لست من المشركين من غير براءة من هذا الشّرك ، فإنّ اسم الشّرك يقع على القليل والكثير منه .
فإذا قلت : « محياي ومماتي للّه » فاعلم أنّ هذا حال عبد مفقود لنفسه ، موجود لسيّده ، وأنّه إن صدر ممّن غضبه ورضاه ، وقيامه وقعوده ، ورغبته في الحياة ، ورهبته من الموت لأمور الدّنيا ، لم يكن ملائما للحال .
[ الرابعة : في اسرار القراءة ووظائفها ]
الرّابعة : القراءة ، ووظائفها لا تكاد تنحصر ، ولا تحيط بها قوّة البشر ، وإن اعتني بشأنها يخرج عن وضع الرّسالة ، لأنّها حكاية كلام اللّه جلّ جلاله ؛ المشتمل على الأساليب العجيبة ، والأوضاع الغريبة ، والأسرار الدّقيقة ، والحكم الأنيقة .
وليس المقصود منه مجرّد حركة اللّسان ، بل المقصود معانيها وتدبّرها لتستفيد منها حكمة ، وحقائق ، وأسرارا ، وترغيبا ، وترهيبا ، وأمرا ، ونهيا ، ووعدا ، ووعيدا ، وذكر أنبيائه ، ونعمه « 1 » ، إلى غير ذلك من الفوائد .
فإذا قلت : « أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم » فاعلم أنّه عدوّك ، ومترصّد لصرف « 2 » قلبك عن اللّه تعالى حسدا لك على مناجاتك مع اللّه تعالى وسجودك له ، مع أنّه لعن بسبب سجدة واحدة تركها .
وانّ استعاذتك باللّه منه بترك ما يحبّه وتبديله « 3 » بما يحبّ اللّه تعالى لا بمجرّد قولك : « أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم » فإنّ من قصده سبع أو عدوّ ليفترسه أو يقتله فقال : أعوذ منك بذلك الحصن الحصين ، وهو ثابت في مكانه ، انّ ذلك لا ينفعه ، بل لا يفيده « 4 » إلّا تبديل المكان ، فكذلك من يتّبع الشّهوات الّتي هي محلّ الشّيطان
هامش
( 1 ) « ب » : نعمته .
( 2 ) « ح » : لصدّ .
( 3 ) « ح » « د » « م » : تبدّله .
( 4 ) « م » : يعيذه .