السّماوات والأرض حنيفا مسلما » وليس المراد بالوجه الوجه الظّاهر ، فإنّك إنّما وجّهته إلى جهة القبلة ، واللّه سبحانه تقدّس عن « 1 » أن تحدّه الجهات حتّى تقبل بوجه بدنك عليه ، وإنّما وجه القلب هو الّذي يتوجّه إلى اللّه فاطر السّماوات والأرض ، فانظر إلى وجه قلبك أمتوجّه هو إلى أمانيه وهممه في البيت والسّوق وغيرهما ، متّبع للشّهوات ، أم مقبل على فاطر السّماوات ؟
وإيّاك أن يكون مفاتحتك للمناجاة بالكذب والاختلاق ، فيصرف وجه رحمته عنك وقبوله فيما بقي على الاطلاق ، ولن ينصرف الوجه إلى اللّه إلّا بالانصراف عمّا « 2 » سواه ، فإنّ القلب بمنزلة مرآة وجهها صقيل ، وظهرها كمد « 3 » « 4 » ، لا يقبل انطباع الصّور ، فإذا توجّهت إلى شئ انطبع فيها واستدبرت غيره ولا يمكن انطباعه .
ولهذا كانت الدّنيا والآخرة ضرّتين ؛ كلّما قربت من إحداهما بعدت عن الأخرى ، فاجتهد في الحال في صرفه إليه ، وإن عجزت عنه على الدّوام ليكون قولك في الحال صادقا عسى أن يسامحك في الغفلة بعد ذلك .
وإذا قلت : « حنيفا مسلما » فينبغي أن يحضر « 5 » في بالك أنّ المسلم هو الّذي سلم المسلمون من يده ولسانه ، فإن لم تكن كذلك كنت كاذبا ، فاجتهد أن تعزم عليه في الاستقبال ، وتندم على ما سبق من الأحوال .
وإذا قلت : « وما أنا من المشركين » فاحضر ببالك الشّرك الخفيّ ، وأنّ قوله تعالى :
« فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً »
« 6 » .
هامش
( 1 ) « ح » « د » : من .
( 2 ) « ح » : عمّن .
( 3 ) « ح » : كدر .
( 4 ) الكمدة : تغيّر اللّون وذهاب صفائه . مجمع البحرين 2 : 71 مادّة ( كمد ) .
( 5 ) « م » : تحضر .
( 6 ) الكهف : 110 .