راهنة ، وفي الصّفح مع مقارنة النّيّة الصّالحة تحصيل ذلك ؛ واعتبارا بأنّ الكبرياء والعظمة مختصّة بكمال جلال إله الوجود ، وفي البطش « 1 » بالانتقام نوع منازعة لذلك الاختصاص ؛ واعتبارا بما أنّ عاقبة الصّفح ثناء أرباب العقول ، ومحبّة المصفوح عنه ، وحلية جميلة لمن اعتمده وقرب منه ، وذلك ممّا يرغب فيه الرّاغب ، ويطلبه الطّالب .
أخمد « 2 » بحلمك ما يذكيه « 3 » ذو سفه * من نار غيظك واصفح إن جنى « 4 » جاني « 5 »
فالحلم أحسن ما ازدان « 6 » اللّبيب به * والأخذ بالعفو أحلى ما جنى « 7 » جاني « 8 »
واعتبارا بما أنّه إذا حصلت المسامحة من العبد لمثله كان محلّا لصفح سيّده عنه ؛ واعتبارا بما أنّه قد تستهجن في العادة مؤاخذة العبد لمثله إذا حكّمه سيّده فيه ، وأطلق له قيد تسويغ الانتقام منه ، فكذا يليق بمن أقدره سيّد الخلائق على عبده وهو مثله ، أن يتجاوز عنه ؛ واعتبارا بما أنّ الذّنب لا يخلو أن يكون صغيرا ، أو كبيرا ، فإن كان الأوّل ، فغير مستبدع صفح عن جرم صغير ، وذنب يسير ، وإن كان الثّاني ، فالأخذ بالحلم ألزم ؛ اعتبارا بكثرة الثّواب في جانب المسامح ، ووفور الشّكر ، وهذا المعنى لا يحصل قبل سفه سعّر نارا برّدها الحلم ، وقد نبّه الغنويّ على هذا بقوله في مرثية أخيه :
هامش
( 1 ) . البطش : الفتك والأخذ بشدّة .
( 2 ) . أخمد : أطفىء .
( 3 ) . يذكيه : يوقده .
( 4 ) . جنى : أوقع بك جنايته .
( 5 ) . الجاني : فاعلها .
( 6 ) . ازدان : افتعل من زان .
( 7 ) . جنى : قطف الثمر .
( 8 ) . والجاني : القاطف . هذان البيتان من بدائع مزدوجات القاسم بن علي بن محمد الحريري صاحب المقامات ، تراهما في المقامة 47 ؛ معجم الأدباء ، ج 15 ، ص 274 .