فصل : ومما يداوى به الباطن أن تفكر ، فتعلم أن محبوبك ليس كما في نفسك ، فأعمل فكرك في عيوبه تسل .
فإن الآدمي محشو بالأنجاس والأقذار ، وإنما يرى العاشق معشوقه في حال الكمال ، ولا يصوّر له الهوى عيبا ، لان الحقائق لا تنكشف إلا مع الاعتدال ، وسلطان الهوى حاكم جائر يغطي المعايب ، فيرى العاشق القبيح من معشوقه حسنا .
أخبرنا أبو المعمر الأنصاري ، قال : أنبأنا صاعد بن سيار ، قال : أنبأنا أحمد بن أبي سهل الغورجي ، قال : أنبأنا إسحاق بن إبراهيم الحافظ إجازة ، قال : حدثني علي بن أحمد الوزّان ، قال : حدثنا الحسن بن أبي الحسن ، قال :
حدثنا أبو بكر محمد بن يحيى الصولي ، قال : حدثنا عبد اللّه بن محمد اليزيدي ، قال : حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه ، قال : قال لي الرشيد : ما حدّ العشق وصفته ؟ فقلت : أن تكون ريح البصل من المعشوق أطيب عند العاشق من ريح المسك مع غيره .
وقال الحكماء : عين الهوى عوراء .
وبهذا السبب يعرض الإنسان عن زوجته ويؤثر عليها الأجنبية ، وقد تكون الزوجة أحسن . والسبب في ذلك أن عيوب الأجنبية لم تبن له وقد تكشفها المخالطة . ولهذا إذا خالط هذه المحبوبة الجديدة وكشفت له المخالطة ما كان مستورا ، ملّ وطلب أخرى إلى ما لا نهاية له .
وقد بلغنا عن المتوكل أنه خرج يوما واجما ، فسأله وزيره عن حاله ، فقال :
في الدار عشرون ومائة جارية ، ما فيهن من تطلبها نفسي .