فكري أني أموت وأن أخي هارون يلي مكاني ويتزوج جاريتي هذه . فقيل له :
يعيذك اللّه ويقدّم الكلّ بين يديك قبلك . فأمر بإحضار أخيه وعرفه ما خطر له ، فأجابه بما يوجب زوال الخاطر ، فقال : لا أرضى حتى تحلف لي أني متى متّ لم تتزوجها ، فاستوفى عليه الأيمان من الحج راجلا وطلاق الزوجات وعتق المماليك وتسبيل ما يملكه ، ثم نهض إليها فأحلفها بمثل ذلك . فما لبث إلا نحو شهر حتى توفي ، فبعث هارون يخطب الجارية ، فقالت : كيف يميني ويمينك ؟
فقال : أكفر عن الكل وأحجّ راجلا .
فتزوجها وزاد شغفه بها على شغف أخيه أنها كانت تضع رأسها في حجره وتنام ، فلا يتحرك حتى تنتبه . فبينا هي ذات يوم على ذلك انتبهت مرعوبة فزعة ، فسألها عن ذلك ، فقالت رأيت أخاك الساعة وهو يقول :
أخلفت وعدي بعد ما * جاورت سكّان المقابر
ونسيتني وحنثت في * أيمانك الكذب الفواجر
ونكحت غادرة أخي * صدق الذي سمّاك غادر
أمسيت في أهل البلى * وغدوت في الحور الغرائر
لا يهنك الإلف الجدي * د ولا تدر عنك الدوائر
ولحقت بي قبل الصبا * ح وصرت حيث غدوت صائر
واللّه يا أمير المؤمنين لكأني أسمعهما وكأنما كتبتهما في قلبي فما أنسيت منهما كلمة .
فقال لها الرشيد : أضغاث أحلام . فقالت : كلا . ثم لم تزل تضطرب بين يديه وترعد حتى ماتت .