تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب ذم الهوى — صفحة 636

مساهمون:

ص٦٣٦
فقال له الرشيد : زدني ، فقال :
إذا ما الليل مال عليك * بالإظلام واعتكرا ودجّ فما ترى قمرا * فأبرزها ترى القمرا
فقال له الرشيد : قد ذعرناك وأفزعنا عيالك ، فالواجب أن نعطيك دينك ، فأمر له بعشرة آلاف درهم وصرفه . قال المصنف : وقد روينا أن الرشيد عتب على بعض جواريه في أمر ، وكان يحبها حبا شديدا ، فحلف ألّا يدخل حجرتها ، فلم تترضّاه ، فقال :
صدّ عنّي إذ رآني مفتتن * وأطال الصدّ لمّا أن فطن كان مملوكي فأضحى مالكي * إنّ هذا من أعاجيب الزمن
ثم بعث إلى أبي العتاهية يأمره أن يجيزها ، فقال :
عزّة الحبّ أرته ذلّتي * في هواه وله وجه حسن فلهذا صرت مملوكا له * ولهذا شاع أمري وعلن
قال المصنف غفر اللّه له : وهذ الذل لا يحتمله ذو أنفة ، فإن أهل الأنفة حملهم طلب علوّ القدر على قتل النفوس ، وإجهاد الأبدان في طلب المعالي ، ونحن نرى طالب العلم يسهر ويهجر اللذات ، أنفة من أن يقال له جاهل ، والمسافر يركب الأخطار لينال ما يرفع قدره من المال ، حتى إن رذالة الخلق ربما حملوا كثيرا من المشاق ليصير لهم قدر ، فهذا الساعي يتعب نفسه بالعدو ، ويصبر عن لذات الجماع لينال قدرا ، وقد قال القائل :
وكل امرئ قاتل نفسه * على أن يقال له إنّه
فأما من لا يأنف من الذل ، وينقاد لموافقة هواه ، فذاك خارج عن المتميزين . أخبرنا ابن ناصر ، قال : أنبأنا المبارك بن عبد الجبار ، قال : أنبأنا الجوهري ،
كتاب ذم الهوى — صفحة 636 | ابن الجوزي / محمد إبراهيم الزغلي / عصام فارس الحرستاني